سياسة

حديث الرئيس تبون مع صحيفة “لوفيغارو الفرنسية”

كشف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن مشروع مراجعة الدستور سيكون “جاهزا مطلع الصيف كأقصى تقدير”، مؤكدا أنه بعد مصادقة البرلمان على النص سيتم عرضه لاستفتاء شعبي “في أقرب وقت ممكن”.

وشدد الرئيس تبون في حوار لصحيفة “لوفيغارو الفرنسية” نشرته اليوم الخميس، “سيكون للجزائر دستور مع مطلع الصيف كأقصى تقدير و سنعمل على تنظيم الاستفتاء في أقرب وقت ممكن”، و قبل ذلك سيكون مشروع المراجعة الدستورية موضوع مناقشة واسعة للفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني،

وأوضح في هذا الخصوص أنه “سيتم تسليم نسخة أولية لحوالي 600 طرف من أحزاب وجمعيات و نقابات وهيئات وسيكون لديهم شهر لمناقشتها بكل حرية قبل أن يعود أمام لجنة الصياغة”.

وأكد بالقول “لقد أعطيت لمختصين توجيهات ووضعت حدودا سيما تلك التي تمس بالهوية الوطنية والوحدة الوطنية، أما الباقي فقابل للتفاوض”، كما وصف المراجعة الدستورية “بأولوية الأولويات” مؤكدا أن “الصيغة النهائية ستسلم إلى البرلمان بغرفتيه ثم على الاستفتاء الشعبي”.

وأضاف المتحدث  إن الاستفتاء ” سيكون حاسما من أجل الحصول على دستور توافقي” موضحا أن قراره بإحالة مشروع المراجعة الدستورية على الاستفتاء الشعبي ينم عن إرادته في “عدم وضع تصوري الخاص للتغيير الدستوري”.

وفضلا عن مسار مراجعة الدستور الذي شرع فيها في مطلع السنة فإن رئيس الجمهورية قد أعلن عن فتح ورشة مراجعة القانون المتعلق بالنظام الانتخابي.

في هذا الصدد أكد رئيس الدولة أن “الورشة الثانية ستكون تلك الخاصة بالقانون الانتخابي الذي من شأنه تحسين مؤسساتنا المنتخبة، مؤكدا أن “البرلمان الجديد سيتمكن من لعب دور أكبر، لكن من أجل ذلك هو بحاجة إلى أكثر مصداقية ولا يشوبه أي نقص في الشرعية من حيث التمثيل” متابعا في هذا السياق أن من الشروط الأساسية لذلك هو “فصل المال عن السياسة”.

وفي معرض تطرقه للمظاهرات التي تنظم كل يوم جمعة فإن الرئيس تبون قد أكد أنه “حتى وإن كان هناك في كل جمعة تواجد مواطنين في الشارع، إلا أن الأمور بدأت تتجه نحو التهدئة”، وأضاف في هذا الصدد إن “عديد الجزائريين قد فهموا بأنه لا يمكن إصلاح و ترميم ومعالجة ما تم تهديمه مدة عقد من الزمان، في ظرف شهرين”.

وتابع رئيس الجمهورية قوله “لقد أديت القسم الدستوري في 19 ديسمبر لكنني أتقبل أن يطلب مني بالإسراع، وذلك يعني أن الناس يحدوهم الأمل في التغيير”.

وأضاف تبون “لقد حصل الحراك تقريبا على كل ما يريد، حيث لم تكن هناك عهدة خامسة ولا حتى تمديد للعهدة الرابعة، ثم استقال الرئيس، كما أن الوجوه الأكثر بروزا في النظام السابق قد ذهبوا كذلك، وتم الشروع في مكافحة أولئك الذين دمروا الاقتصاد”.

وشدد المتحدث “تبقى بالنسبة إليه “الإصلاحات السياسية” حيث أكد أنه “جعلها من “أولوياته” حيث أكد “انأ عازم على الذهاب بعيدا في التغيير الجذري من أجل إحداث قطيعة مع الممارسات السيئة وأخلقة الحياة السياسية و تغيير نمط الحكامة”.

و في رده على سؤال حول الدور الحقيقي للجيش قال رئيس الدولة إن هذا الأخير ” يضطلع بمهامه الدستورية ولا يهتم لا بالسياسة ولا بالاستثمارات ولا بالاقتصاد، فهو موجود من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية وحماية الدستور والجزائريين من أي تسلل إرهابي وكل محاولة لزعزعة استقرار البلاد”.

مضيفا “إنكم لن تجدوا أي أثر لتدخله في حياة المواطن إلا عند الخدمة الوطنية”، مقرا في ذات السياق أنه ليس “مدينا” إلا للشعب الذي انتخبه “بكل حرية و شفافية” إن “الجيش قد دعم ورافق المسار الانتخابي، لكنه لم يحدد أبدا من سيكون رئيسا.

وإذا كنت قد شاركت في الانتخابات الرئاسية فذلك لأنني كنت اشعر بأن هناك عملا غير مكتمل، فانتم تعرفون في أي ظروف غادرت رئاسة الحكومة” يضيف رئيس الجمهورية لذات الصحيفة التي ذكرت بأن الرئيس تبون قد أقيل من مهامه في 2017 في أقل من ثلاثة أشهر من تعيينه وزيرا أولا لكونه أعلن الحرب على قوى المال.

وتابع قوله “بما أن بلادي كانت تعاني من صعوبات فقد فكرت في تقديم قيمة مضافة حتى وأن كنت على علم بأن تلك تضحية على حساب عائلتي ونفسي، إنه الواجب”، أما فيما يخص إحدى مطالب الحراك المتعلقة “بدولة مدنية وليست عسكرية” فقد أوضح الرئيس تبون أن “هذا الشعار يعود إلى 19 جوان 1965” تاريخ وصول الرئيس بومدين إلى سدة الحكم.

وعن سؤال حول تحييد “المافيا السياسية والاقتصادية”، حيث يقبع عديد وجوهها الآن في السجن، رد رئيس الجمهورية بأن “الفساد وتكديس المال الفاسد لا يزول بمجرد جرة قلم”، مضيفا  أن “رأس المافيا قد قطعت لكن الجسد لا زال موجودا، وأن المال الفاسد لازال متداولا، حيث يمثل كل يوم مسؤولون جدد و رجال أعمال مزيفين أمام العدالة”.

كما أشار إلى أن أسس الدولة الجزائرية “يجب أن تكون سليمة” معتبرا في هذا الصدد أن “ما ينتظرنا أكبر من أعمال سيزيف”، وتابع يقول “نحن بصدد إعادة البناء، لكن ذلك سيأخذ بعض الوقت، حيث لا توجد دولة حديثة بنيت خلال جيل واحد، فالجمهورية الخامسة في فرنسا بدأت في سنة 1958 من القرن الماضي، فلنبدأ بتسطير معالم دولتنا الجديدة على المستوى الدستوري ثم المؤسساتي ليعقبها الاقتصادي”.

وأكد رئيس الدولة في هذا الصدد “ضرورة إخراج الجزائر من التبعية للمحروقات معتبرا أن هذه “الثروة الإلهية القابلة للنضوب” يجب ” أن تعود علينا بثروات أكثر استدامة”، كما قال “إن الجزائر تزخر بموارد أخرى من أهمها الشباب المتعلم، لقد ظل جيلي متقوقعا لكن الشباب هم في اتصال مع العالم بأسره، حيث أن شبابا متكونين في مقاعد المدرسة الجزائرية أصبحوا مطلوبين من أجل نشاطهم و مهاراتهم في كل أنحاء العالم، في الولايات المتحدة و في أوروبا”.

وتابع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون “في ظل هذا التصور المعولم و من خلال تنافس سليم وعصري سنقوم ببناء صرح اقتصادي جديد يقوم على تثمين الإنتاج الوطني واقتصاد المعرفة و الانتقال الطاقوي”.

وأضاف الرئيس تبون إن “الشركات الناشئة والمؤسسات المصغرة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حجر الزاوية في هذا الصرح”، كما أكد بأننا “سنقوم بالتفكير في تثمين أمثل لمنتجاتنا الفلاحية دون وضع أنفسنا في وضعيات غير عقلانية من الإنتاج المفرط والندرة”، متأسفا لكون “شركاء الجزائر ينظرون إليها على أنها سوق استهلاكية”.

وأشار في هذا الخصوص إلى أن “مشاكلنا تأتي من الاستيراد غير المضبوط والمنطوي على تضخيم الفواتير التي تعتبر مرتعا للفساد الذي تسهله عديد البلدان الأوروبية حيث تتم العمليات المصرفية وتضخيم الفواتير واستثمار الأموال المحولة بطرق غير مشروعة، وذلك قد أضر بالاقتصاد الوطني”.

وأعلن في هذا السياق على وقف استيراد أجزاء تركيب السيارات، حيث تساءل الرجل الأول في الدولة أن “مصنع رونو الموجود هنا، لا علاقة له بما هو موجود في المغرب، فكيف يمكن خلق مناصب شغل في حين أنه لا يوجد أي إدماج و لامناولة؟”.

وبخصوص المادة 63 (51 سابقا) من الدستور التي تحرم الجزائر من العديد من الكفاءات كونها تمنع مزدوجي الجنسية من تقلد مناصب سامية في الدولة، أوضح الرئيس أن “هذه المادة سيتم تغييرها”، وأكد أن المهاجرين من أصل جزائري بالخارج لهم مكانة كاملة هنا، ونحن نسعى لأن لا يكون هناك فارق بين المواطنين المهاجرين ومنهم هم في البلد فلهم نفس الحقوق والإمكانيات سواء كانت هجرتهم مؤقتة أو نهائية إلى الخارج يبقى بلدهم الأصلي هو الجزائر وهم مرحب بهم فيه”.

في المقابل، أكد رئيس الدولة أن  “بعض المناصب الحساسة جدا والتي تمس بالأمن الوطني لا يمكن أن تكون متاحة لأي كان”.

وفيما يتعلق مسألة الذاكرة كشف الرئيس تبون عن اتصالات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي “يحاول تسوية هذا المشكل الذي يسمم العلاقات بين البلدين”، مشيرا إلى أنه (الرئيس الفرنسي) “يتعرض أحيانا بسوء الفهم وأحيانا أخرى لهجمات لاذعة من قبل لوبيات قوية جدا”.

وتابع: “هنالك لوبي انتقامي يحلم بالجنة الضائعة ويتحدث عن خيانة ديغول وأمور أخرى، استقلالنا مضى عليه حوالي 60 سنة ومن الغريب أن تعود الجزائر في كل مرة إلى واجهة الأحداث السياسية الفرنسية! وعندما يصل الأمر إلى إصدار قانون يمجد الاستعمار فنحن بعيدون عما ننتظره”.

أكد رئيس الدولة أن الجزائر من أجل “علاقات سليمة مع فرنسا قائمة على الاحترام المتبادل”، معتبرا أنه “يجب في وقت ما النظر إلى الحقيقة مباشرة، الخطوة الأولى هي الاعتراف بما وقع والخطوة الثانية هي إدانته”،  واعتبر الرئيس تبون أنه “لابد من الشجاعة في السياسة”، مضيفا أن “هناك لوبي آخر (المغرب/ مذكرة تحرير) ترتكز سياسته بالإجمال على كبح الجزائر “. وأوضح أنه “لوبي بصلات اقتصادية واجتماعية ويخاف من الجزائر. وحتى لما تتدخل الجزائر لاقتراح تسويات سلمية لأزمات يحاول هذا اللوبي التدخل بحجة أنه معني أيضا”.

وردا عن سؤال حول الجهود التي يجب أن تبذلها الجزائر لتفادي الاستغلال السياسي لضغينة ما تجاه فرنسا قال الرئيس “من جانبنا ليس هناك أي حقد أو ضغينة “، موضحا أن “هناك ردود فعل على أعمال البغض وكراهية الأجانب وكراهية الإسلام التي تتجلى من الجانب الآخر. هذا ما شرحته للرئيس ماكرون”.

وأفاد رئيس الدولة بهذا الخصوص: “الجزائريون لا يريدون التدخل في شؤونهم”، متسائلا “كيف يمكن اقتراح مرحلة انتقالية بالجزائر أو التدخل في خيار شعبها؟”. وأبرز: “يحق للجزائريين وحدهم تسوية هذه القضية وعلى الآخرين أن يستوعبوا أننا غيورون بشدة على سيادتنا التي استرجعناها مقابل ثمن باهظ”.

وذكر السيد الرئيس: “عندما أرى شبابا أمام أعين متفرجة بل متواطئة للشرطة الفرنسية يضربون أشخاصا مسنين اقبلوا على قنصليتهم للانتخاب خلال الاستحقاقات الرئاسية الجزائرية الأخيرة. نتساءل هل نحن حقا في دولة ديمقراطية؟”، مضيفا أن “الكثير من الجزائريين في فرنسا كانوا يريدون الذهاب للتصويت لكنهم كانوا خائفين، بالنسبة لنا القضية لم تطو بعد والتحقيق متواصل”.

ومن جهة أخرى، وبخصوص الوضع في مالي وهل فرنسا تبحث عن دعم الجزائر، قال رئيس الجمهورية أن الأمر كذلك بالنسبة للرئيس ماكرون بينما الأمر مخالف لسابقيه ، واسترسل ” لو ترك الأمر لنا لكان المشكل المالي قد سوي منذ زمن بعيد. فالجزائر طرحت حلولا على الماليين منذ 1962″.

وفي ذات السياق أكد الرئيس: “إنهم إخوة مشاكلهم هي مشاكلنا لقد كان اتفاق الجزائر بالكاد مثاليا و كان السبيل الوحيد الممكن ليندمج جنوب مالي مع شماله في هياكله ومؤسساته،  لكن فرنسا الرسمية أرادت تسوية المشكل عسكريا” “انسحبنا وانظروا ما يحدث في الميدان”، مذكرا بأن “الحلول العسكرية لم تحل أبدا المشاكل بل على العكس في حالتنا تعقد الأوضاع وتفتح الطريق للإرهابين، مشددا على ضرورة “العودة إلى اتفاق الجزائر”.

وبخصوص مجموعة الخمس لدول منطقة الساحل، اعتبر السيد تبون أن هذه القوة “ليس لها القدرات العسكرية لمكافحة الإرهاب بفعالية”،  وحول الأزمة الليبية، ذكر الرئيس تبون أن الجزائر منذ 2011 قالت أن “المشاكل لا تحل بهذه الطريقة”، مضيفا “لو كان القذافي يشكل مشكلا، يقع على عاتق مواطنيه أن يقرروا مصيره”.

مضيفا في هذا الصدد :”اليوم لابد من دفع الليبيين نحو الحوار وإعادة بناء دولتهم”، واستطرد : “لو منحنا مجلس الأمن الأممي الصلاحيات نحن قادرون على إحلال السلم سريعا في ليبيا، لأن الجزائر وسيط صادق وموثوق ويحظى بالقبول لدى كل القبائل الليبية”.

وشدد الرئيس تبون “لا يجب خوض حروب بالوكالة لابد من الالتزام بعدم بيع أسلحة ووقف جلب مرتزقة”، مشيرا إلى أن الجزائر “تقدم لليبيين الأغذية والأدوية وليس الأسلحة للاقتتال،  وحذر قائلا “إذا تواصل تفكك الدولة في ليبيا لسنة أو سنة ونصف سيكون لأوروبا ومنطقة حوض المتوسط صومال آخر على حدودها مع ما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة على استقرارها وأمنها”.

وأكد أن الحظوظ الحالية لليبيا تكمن في كون قبائلها الكبرى – يضيف الرئيس- لم تحمل السلاح. وهي كلها مستعدة للقدوم إلى الجزائر لصياغة مستقبل مشترك معا، موضحا “نحن الوحيدون الذين اقترحوا حلولا سليمة دون انتظار مقابل لكننا لم نترك لفعل ذلك. مع أن الجزائر ليس لها أي أهداف هيمنة أو أطماع في ثروات هذا البلد الشقيق الذي فتح لنا أبوابه خلال حربنا التحريرية”.

متعلقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق