نستغرب سكوت العالم عن ما يحدث في بورما لمجموعة من الناس، يحق لهم العيش الكريم وكل الحقوق التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 1948، كما تضمنها الطبيعة الإنسانية التي ترفض فطرتها قتل البشر، ومنهم الأطفال والنساء والشيوخ مهما كانت الأسباب، خاصة إذا أخذت عملية التقتيل طابعا  ثقافيا أو دينيا أو عنصريا، أنها ممارسات ترفضها كل الديانات، خاصة السماوية منها في أصلها قبل أن يختطفها السياسويون، ويوظفونها، وينشرون الكراهية بين أتباع مختلف هذه الأديان، بالرغم أن كل هذه الأديان تقول أن من قتل إنسانا على غير حق، فكأنه قتل الناس جميعا، لكن للأسف عندما نأتي إلى التطبيق، نجد العكس، فأغلب الجرائم الإنسانية أرتكبت بإسم الدين وبإسم الله، لأن السياسويون وأيديولوجييهم، يوظفون ذلك لأغراض سلطوية لا أكثر ولا أقل.

كثر الحديث مؤخرا عن الروهينجا في بورما، وما يتعرضون له اليوم والأمس على يد حكام بورما، ولعل الكثير من المسلمين أرادوا إعطاء لهذه الجرائم طابعا دينيا والترويج بحدة أنهم يقتلون ويبادون لأنهم مسلمون، وكأن العالم يعادي المسلمين أينما وجدوا، هذا مايدفعنا إلى توضيح عدة مسائل وقضايا غابت عن الكثير.

فمسألة الروهينجا يطرحها النظام البورمي بصيغة قانونية، تتعلق بقانون الجنسية في بورما التي لايحق إعطائها إلا للإثنيات التي كانت موجودة في بورما منذ 1813، وتقول السلطة هناك أن الروهينجا هم بنغال، أي جاءوا من بنغلادش بعد هذا التاريخ، ولهذا لم تعطى لهم الجنسية ومحرومون من حقوق المواطنة، لكن وقع الروهينجا في نفس لعبة النظام البورمي بنفيهم ذلك،  ويعتبرون أنفسهم من بورما جاءوا إليها قبل 1813 بدل أن تطرح المسألة بشكل آخر.

أن قضية الروهينجا في بورما تطرح أمامنا قوانين الجنسية المجحفة المبنية إما على أساس ديني أو لغوي أو أصل أو غيرها، وهو ما يؤدي حتما إلى مظالم في حق الكثير من المجموعات البشرية مثل البيدون في الكويت الذين لايتحدث عنهم أحد للأسف الشديد، والذين يمنعون من كل الحقوق في الكويت، ولايمتلكون حتى وثيقة هوية، ولهذا يطلق عليهم رسميا “البيدون” أي “بدون هوية”، ويمكن ذكر الشيعة في شرق السعودية، لأنهم ليسو سنة، ويعتبرهم النظام السعودي أنهم روافض، ونجد نفس الأمر في إيران مع المسلمين السنة  بحكم أن الدستور الإيراني يقول بأن المذهب الشيعي الأثني عشر هو المذهب الرسمي للدولة، ويمكن لنا ذكر الكثير من الأمثلة المشابهة للإقصاء والتهميش التي يتعرض لها الإنسان في عدة مناطق من العالم لأسباب دينية ولغوية وثقافية وإثنية وغيرها.

أن قضية الروهينجا في بورما وغيرها، يدفعنا إلى طرح مسألة الجنسية في الدول، فعلى الأمم المتحدة أن تصدر نصوصا تمنع منعا باتا إصدار قوانين الجنسية مبنية على أسس دينية أو لغوية أو إثنية أوغيرها، بل يجب أن تكون مبنية على مبدأ المواطنة فقط، كما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم التي تسمح للجميع الحصول على الجنسية الأمريكية شريطة الإلتزام بالواجبات مقابل الحقوق، بالرغم من أن الولايات المتحدة عانت بإقصائها الزنوج ذوي الأصل الأفريقي من الكثير من الحقوق، مما أدى إلى نضالات مالكوم إكس ومارتن لوثر في ستينيات القرن20 التي كانت وراء المساواة التامة بين كل الأمريكيين اليوم، وسمحت بإعتلاء  باراك أوباما سدة الحكم في أمريكا، نعتقد بأن كندا يعد نموذجا مثاليا يحتذى به في مبدأ المواطنة، وكذلك بريطانيا التي وصلت في إحترامها الأديان والثقافات إلى درجة وضعها لباسا خاصا للشرطية مسلمة، يتماشى مع ما يعتقده البريطانيون أن الحجاب جزء من دين الشرطية المسلمة البريطانية، لايجب حرمانها منه، ووضعت كذلك لباسا خاصا بالسيخ وكل الأديان التي يعتنقها مواطنون بريطانيون.

أن حل مشكله الروهينجا في بورما أو غيرهم، يتلخص في نقطتين أساسيتن وهما: فرض أممي على كل الدول بإصدار قوانين الجنسية على أساس مبدأ المواطنة فقط دون أي تمييز عرقي أو ديني أو لغوي وغيره مع فرض التنفيذ الكامل لحقوق الأجانب في كل الدول.

لكن ما يؤسف له هو هذه الحملة التي نشاهدها اليوم في العالم الإسلامي بالحديث عن قمع وتقتيل الرهينجا، إلا لأنهم مسلمون، طبعا نحن لاننفي الكراهية التي نشرها مستغلو الأديان من السياسويين سواء في بورما أو في البلدان الإسلامية أو المسيحية أو غيرها، لكن علينا أن نطرح المسألة بشكل آخر، كي لانقع في لعبة خطيرة ترسم إستراتيجياتها خارجنا نحن وضد مصالحنا، فمن المستفيد من إثارة صراع عالمي بين المسلمين والبوذيين بحكم أن مضطهدي الرهينجا هم بوذيين، ونحن على علم أن البوذية هي أكبر ديانة من ناحية السكان في العالم، كما هي منتشرة بقوة في دول كبيرة لدينا مصالح إستراتيجية كبرى معها، فبعد إصطدام المسلمين بالمسيحيين ثم الهندوس بحكم الصراع الباكستاني-الهندي الذي أشعله الإستعمار البريطاني بتقسيمه الهند على أساس ديني  لحسابات مصلحية وإستراتيجية أملتها الحرب الباردة بهدف وضع جدار إسلامي عازل يقف في وجه الزحف الشيوعي من  الصين على كل شبه القارة الهندية، فهل سيصطدم المسلمون أيضا مع البوذيين بسبب الرهينجا في بورما؟، أليست هذه لعبة وتطبيق لنظرية “صدام الحضارات “التي نظر لها  الإستراتيجي الأمريكي صموييل هننتغتون بعد نهاية الحرب الباردة؟، فمن يريد عزل المسلمين في كل العالم بإختلاق أزمات مثل قضية الروهينجا في بورما؟

لكن ما يؤسف له أيضا هو الموقف المخزي لصاحبة جائزة نوبل أونغ سان سون كي التي دعمت المجازر معتبرة نفسها بأنها سياسية بحكم منصبها السياسي، فهل السياسة هي ميكيافيلية وهمجية ومجازر في حق الإنسان أم يجب أن تكون مرتبطة بالمثل والأخلاق؟ هل بقيت بعد هذا الموقف المخزي وفية للفرنسي ستيفان هيسل المدافع عن كل إنسان مهما كان، والذي ما فتأ يثني على سون كي في حياته قبل وفاته عن عمر يناهز 95سنة؟، لكن لما نستغرب هذا الموقف المخزي، فكم من مناضلين ضد الإستعمار والأنظمة المستبدة مارسوا سياسات مشابهة لما قام به الإستعمار والمستبدون بعد وصولهم إلى السلطة؟، وهو الأمر الذي يدفعنا اليوم على المناداة بضرورة الإتفاق حول طبيعة النظام الواجب إقامته بكل تفاصيله وضماناته قبل تغيير أي نظام، ولايجب ان تبقي الأمور غامضة، كي لا نكرر دائما نفس المأساة؟ فالشعارات الديمقراطية مثلا غير كافية، بل نحتاج المشروع كاملا وواضحا وضامنا لمبادئ الديمقراطية والحريات والعدالة الإجتماعية.

فمن منبرنا هذا نقول أننا متضامنون مع الروهينجا ليس لأنهم مسلمون، بل لأنهم بشر وأبناء سيدنا آدم الذي سجدت له الملائكة وخلق الله كل ما في الكون من أجله، كما سنتضامن مع كل إنسان مضطهد سواء في اليمن الذين سلطت عليهم السعودية أو فلسطين أو أفريقيا وغيرها، سنتضامن مع كل إنسان مهما كان دينه أو لغته أوعرقه أوجنسه وغيرها، ونحذر الكثير من المسلمين على طرح قضايا الإنسان في إطار ديني وقبلي وعرقي كما فعلوا مع قضية الشعب الفلسطيني التي حصروها في إطار ديني أو عرقي بدل ما تطرح كقضية تحرر، فهؤلاء يضرون قضايا الشعوب بتصرفاتهم هذه، ويحققون أهداف السياسويون الإستغلاليون والإستبداديون الذين نشروا، وينشرون الكراهية بين أتباع الديانات، ويدفعونهم لحروب كي يجنوا هم فوائد ذلك، ويخدمون مصالحهم كما فعل مثلا ملوك أوروبا الذين تحالفوا مع البابا أوربان الثاني الذي كان وراء دفع فلاحي أوروبا إلى ما أعتبره “الحرب المقدسة لتحرير قبر المسيح”، فساهموا في الحروب الصليبية التي أستهدف بها ملوك أوروبا ثروات وخيرات المشرق الإسلامي في القرن 11م، ويمكن لنا ذكر آلاف الأمثلة عن إستغلال الدين في كل الديانات، وضحي فيها بملايين البشر خدمة لمصالح إستبداديين وإستغلاليين.