إن الدعوة إلى إجماع وطني من قبل وجوه في السلطة آخرها الوزير الأول السابق، عبد المجيد تبون،  هي في الحقيقة مساعدة السلطة للخروج من الأزمة المالية والإقتصادية التي وقعت فيها الجزائر بسبب السياسة المنتهجة منذ 1962، فقدت حطمت الحكومات المتعاقبة تدريجيا الإجماع الوطني الذي حدث بين كل الجزائريين من أجل تحرير الجزائر من الإستعمار الغاشم وإقامة الدولة الديمقراطية والإجتماعية، كما نص على ذلك بيان أول نوفمبر وأرضية الصومام، ووصلت الجزائر اليوم إلى طريق مسدود على كل الجبهات، بل هناك تفاوت طبقي حاد في المجتمع بإستيلاء وزحف المال الفاسد إلى دواليب الدولة، فبدل تحقيق العدالة الإجتماعية وخدمة المحرومين، كما نصت على ذلك مواثيق ثورتنا، أصبحت الجزائر بعد أكثر من 50سنة من إسترجاع إستقلالها  تحت سيطرة هذه الأوليغارشية المالية التي ستعيد ربط الجزائر مرة أخرى بالقوى الرأسمالية الكبرى، وعلى رأسها  فرنسا بحكم إرتباط المصالح، وكل ذلك على حساب الجزائريين.

فلا نعلم ما يقصده تبون بفكرة الإجماع الوطني إلا بأنها ستخص المجال الإقتصادي فقط، فهل معناه ستأخذ السلطة شرعية من مختلف الأحزاب والقوى التي ستشارك في ذلك لإعطاء نفوذ أكبر لأصحاب المال الفاسد؟، فهل خشي النظام إتخاذ قرار إلغاء الدعم للمواد المستهلكة لوحده دون إشراك كل الأحزاب والنقابات، وهو مايعني في الأخير إنهاء الطابع الإجتماعي للدولة بكل إنعكاسات ذلك على السلم والإستقرار الوطني؟ فهل نجحت يوما  فكرة الإجماع الوطني التي كان يطرحها النظام، كلما وقعت أزمة؟.

كان من المفروض أن يعلم النظام في الجزائر، أنه قد أوصل البلاد إلى طريق مسدود في 1988، فبدل ما يعمل من أجل جمع الجزائريين بكل إخلاص وإيصال كل قواه وأطرافه إلى إتفاق أو إجماع أو عقد من أجل تحقيق الإنتقال الديمقراطي الفعلي، وذلك بوضع ميكانيزمات وآليات جديدة تعيد الدولة لكل الجزائريين، لكنه للأسف الشديد فضل المناورة لإبقاء البلاد تحت سيطرة المجموعة التي سرقت ثورته، وكسرت إجماع الجزائريين في 1962 وإبقاء نفس الآليات والميكانيزمات التي تفرز الرداءة وسوء التسيير، كما تفرز نخبا مزيفة مبنية على الجهوية والولاءات والإنتهازية وغيرها، مما أوصل الجزائر إلى هذا الوضع المتردي اليوم.

لقد ذهب النظام أبعد من ذلك تحت غطاء الإجماع الوطني بوضع وفرض “أرضية للإجماع الوطني” في 1994 بمشاركة تنظيمات كارتونية في أغلبها، لينبثق عنها دستور 1996 يعزز به سيطرة مجموعة على كل دواليب الدولة من خلال المادة 120 المتمثل في إنشاء “مجلس الأمة” الذي هو في الحقيقة فيتو هذه المجموعة التي سرقت الدولة الوطنية التي ضحى من أجل إقامتها  ملايين الشهداء على كل القوانين التي لاتخدم مصالحها، وذلك من خلال الثلث الرئاسي، وهو ما يعني حصر الدولة أكثر في يد شخص واحد ، ومنذ تلك الفترة تم إقصاء أكثر للأمة الجزائرية من صناعة القرار ووضع تشريعاتها التي بها تتم السيطرة والإستغلال، وأبقتها في يد هذه المجموعة ومصالحها على حساب أغلبية الشعب والأمة الجزائرية.

فليعلم دعاة النظام إلى “إجماع وطني” مشبوه ومشكوك في أهدافه، بأن الأزمة في الجزائر هي أزمة سياسية، وليست إقتصادية كما يعتقد، وهي نتاج الإنقلاب على المؤسسات الشرعية للثورة وإنعكاساته الكارثية على الجزائر في 1962، وهو ما يتطلب إصلاح هذا الخطأ الفادح الذي وقع منذ55سنة، ونعتقد أن إصلاح الخطأ، يبدأ بوضع آليات ديمقراطية حقيقية إضافة إلى إعطاء السيادة فعليا لكل الأمة الجزائرية عبر مؤسستين هما: مجلس شعبي وطني منتخب فعلا، وكذلك مجلس الأمة، لكن بتغيير مكونات هذا الأخير وتحويله إلى مجلس شبيه بالمجلس الإقتصادي والإجتماعي تمثل فيه كل شرائح وفئات المجتمع بواسطة الإنتخاب، لكن له سيادة شعبية حقيقية، خاصة في مجال التشريع وسن القوانين، فالجزائر في حاجة ملحة اليوم لإعادة الدور الإجتماعي للدولة، كما سطرتها أهداف ثورتها التحريرية في 1954، وكي يتحقق ذلك، فإنه من  الضروري للنقابات العمالية ومختلف الحركات الإجتماعية بكل شرائحها طرح المشكلة الجوهرية للمسألة الإجتماعية لحلها من الجذور لكن بطرح آخر، فبدل ماتطالب بتحسينات في الأجور والحديث عن ملفات التقاعد وغيرها، فإنه يجب عليها أن تذهب إلى جوهر المشكل الإجتماعي، وتطرح حلا جذريا للمسألة، ويتمثل في المطالبة بالسلطة الكاملة لكل الشرائح الإجتماعية دون إستثناء أي شريحة، فتتحول الدولة إلى خدمتها بدل خدمة مجموعة أو فئة أو أوليغارشية مالية، وهذا لايتم إلا بنظام سياسي بديل ديمقراطي وإجتماعي يجمع بين الحريات الديمقراطية والعدالة الإجتماعية.

ولهذا يجب إنشاء مؤسسة أخرى بديلة لمجلس الأمة الذي صادر السيادة الشعبية بواسطة الثلث الرئاسي، فأصبح لا قيمة لما يصدر من المجلس الشعبي الوطني مادام بإمكان هذا الثلث المعين من الرئيس إلغائه، ولهذا يجب وضع مجلس آخر، تمثل فيه كل شرائح المجتمع وفئاته كي لايقصى أي أحد، وينتخب على أساس شرائح المجتمع وفئاته ونقاباته العمالية، فمن حق كل شرائح المجتمع أن تنتخب ممثلين لها في هذا المجلس الذي لا تهم تسميته ، ويلغى القائم حاليا الذي ليس له أي دور إلا تبرير سياسات السلطة وإعطائها شرعية، ويعتمد في إنتخاب هذا المجلس كل شريحة إجتماعية كدائرة إنتخابية، ويكون عدد ممثليها حسب العدد المنتمي إلى هذه الشريحة.

لكن هذا غير كاف لضمان خدمة الدولة لمصالح الأمة والمجتمع كله، إلا إذا أمتلكت كل ممثلي شريحة أو فئة إجتماعية حق الفيتو في كل مشروع قانون يخصها، ويمكن أن تتفاوض مع السلطة التنفيذية والبرلمان في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون بمصالح عدة شرائح وفئات إجتماعية، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينهم لحفظ مصالح الجميع، وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الإجتماعية التي تشل الحركة الإقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان، لكن هذا لا يكفي لتحقيق مصالح كل شريحة إلا إذا بقيت مصالح ممثليها في البرلمان مرتبطة إرتباطا وثيقا بمصالح شريحتهم الإجتماعية، مما يجعل كل ممثل أو نائب برلماني الذي  يعمل من أجل مصلحته الإجتماعية، سيحقق بوعي أو دون وعي منه مصلحة الشريحة الإجتماعية التي يمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الإمتيازات لهؤلاء الممثلين والنواب بحكم تواجدهم بالبرلمان بإستثناء الحصانة التي تكفل له حرية النقد والتعبير والممارسة.

نعتقد أن الإصلاح السياسي وتجسيد الدولة الديمقراطية والإجتماعية يبدأ من هذه النقطة، لكن يجب علينا الإشارة أيضا، أنه  كي تنجح عملية الإنتقال الديمقراطي فعلا في الجزائر لابد من إنتشار قيم الديمقراطية في المجتمع مما يجعله يدافع عنها، ولايمكن أن يتم ذلك بمعزل عن إحداث تغيير إجتماعي جذري في المجتمع، والذي لا يمكن تحقيقه إلا بالمرور الحتمي والضروري بمرحلة رأسمالية وطنية تدور حول الذات بدل ما تكون مرتبطة وتابعة للقوى الرأسمالية الكبرى، وبتعبير آخر تبني الطرح القائل أن تغيير البنى التحتية المتمثلة في قوى الإنتاج هي التي تحدد وتغير البنى الفوقية المتمثلة في الدولة والقيم والثقافة وغيرها، فبثورة صناعية جزائرية تنتشر القيم الديمقراطية في المجتمع، كما وقع في أوروبا بعد ثورتها الصناعية، ولايمكن تحقيق هذه الثورة الصناعية أو في قوى الإنتاج إلا بدفع أصحاب الأموال بواسطة تشريعات وآليات إلى الإستثمار المنتج إضافة إلى إعادة النظر في مجال البحث العلمي.

ولهذا يجب الضغط من أجل صياغة قوانين ووضع ميكانيزمات وآليات من أجل تحويل هذه البرجوازية المتمثلة في المستوردين إلى برجوازية وطنية تدور حول الذات ومنتجة وبانية للمصانع التي تنتج الثروة ومناصب للشغل، أي بتعبير آخر تحويلها إلى برجوازية وطنية غير مرتبطة  بهذه الرأسمالية العالمية.

أما في المجال العلمي أن الجزائر في حاجة إلى حل جذري لمشكلة التخلف العلمي، ولايحل إلا بإعادة النظر في ميكانيزمات الترقية والصعود الاجتماعي، فيكون أساسها الرئيسي العلم والمعرفة، يجب أن نحول العلم والمعرفة المقياس الرئيس للامتيازات في المجتمع، وليس السلطة ومقاييس أخرى، علينا التفكير في وضع الميكانيزمات الملائمة لتطبيق هذا المبدأ الذي سيتحول محفزا على طلب العلم والبحث العلمي الجاد والتنافس من أجل الإبداع العلمي والتكنولوجي لأنه هو الطريق الرئيسي للصعود الاجتماعي، وهو المبدأ الذي سيجعل الطفل يلد وهمه وهم والديه النجاح في التعليم الذي سيسمح له بولوج عالم الباحثين العلميين، لعله سيفتح له الطريق ليصبح مخترعا ومبدعا علميا، مما سيدر عليه إمتيازات عدة، وتجعله من الطبقة العليا في المجتمع، وبذلك نكون قد وضعنا بذور التقدم بدل هذا التكالب المدمر من أجل الثروة والسلطة.

ليس من الصعب إعطاء إمتيازات للمخترعين والمبدعين في المجالات العلمية كما أعطيت لبعض رجالات السلطة، بل يمكن حتى خلق رتب أو أوسمة عالية تعطي العديد من الإمتيازات لكل من ينجز إختراعا وإبداعا علميا يخدم مجتمعنا ويطوره، ولهذا سيكون كل مواطن همه الوصول إلى ذلك، خاصة أنه تتكافأ فيها الفرص، ان الجزائر في أمس الحاجة اليوم إلى من يرقيها ويطورها، ويبنيها بعقله وعلمه وإختراعاته وإبداعاته العلمية، فليس من الصعب وضع ميكانيزمات لجلب كبار الباحثين العالميين إلى الجزائر وتحويلها إلى قبلة لهم، فلنتحول إلى دولة ديمقراطية وإجتماعية وعلمية تستند فقط على العلم، ويكون فيها لرجال العلم والعقول الكبرى دورا أساسيا في القرارات وصياغة مستقبلنا، نعتقد أن تحقيق ذلك ليس صعبا كما يوهموننا البعض، ونعرف أن فكرة كهذه سيضع الفاشلون المقتاتون والمستفيدون من النظام الإجتماعي والسياسي الحالي كل العراقيل في وجهها، وسيصفونها بالطوباوية وصعوبة التنفيذ، لكن هي في الحقيقة لا تحتاج إلا إلى إرادة سياسية وثورة في الذهنيات والتفكير في ميكانيزمات جديدة لتطبيق هذا المبدأ ومجموعة قوانين ومراسيم تنفيذية لها، والتي ستلقى الدعم من كل المجتمع لأنه يعلم أن تحسين حياته وترقيته وتطوير الجزائر لا تتم إلا بالبحث العلمي الجاد المرتبط بحاجاتنا التنموية الإقتصادية والإجتماعية.

لا نعتقد ان هذه الأمور صعبة التحقيق، بل يكفي إنتخاب برلمان حقيقي غير مزور ومزيف وإدخال التعديلات الجذرية التي ذكرناها آنفا على مجلس الأمة، فهاتين المؤسستين كفيليتين بطرح القوانين، وستعمل من أجل إستصدار مجموعة التشريعات والقوانين لإخراج الجزائر نهائيا من تخلفها وإستبدادها.

نعتقد في الأخير أنه لا يمكن أن يعارض أي كان هذه الطروحات التي أشرنا إليها، فهي  ستشكل إجماعا لدى لكل الجزائريين الخيريين الذين يريدون لبلادهم السؤدد والرقي وتحقيق حلم شهدائنا الأبرار في جزائر قوية على كل الأصعدة، أما القضايا الأخرى، فبالإمكان التوصل حولها إلى توافقات بعد حوار جاد تشترك فيه كل القوى السياسية والثقافية والإجتماعية  الذي يمكن أن يكون شبيه بمجلس تأسيسي يعيد صياغة دستور توافقي للجزائر يجد فيه كل الجزائريين مكانتهم وموقعهم دون أي إقصاء كان.