للأمانة ، قبل أن يتم تكريم الأستاذ الكاتب عبد العزيز بوباكير في منطقة ” تاكسنة ” بولاية جيجل ، تساءلت عدة مرات لماذا لا يتم تكريم كبار الإعلاميين الجزائريين ، تسجيل مذكراتهم ، وتوثيق الأحداث من خلال عملهم الميداني ، لكن عقب تكريمه ، استوقفتني تلك اللحظات كثيرا ، فرحت مرة وحزنت مرتين ، فرحت لتلك الخطوة الطيبة لأن الرجل يستحق ألف تكريم ، لكتاباته التي تبعث دوما على فتح نوافذ الوعي لدى الجزائريين ، وحزنت لأن الأستاذ الذي تعلمت منه الكثير عندما كان رئيس تحرير في صحيفة ” الخبر الأسبوعي ” المتوقفة عن الصدور قبل عشر سنوات ، تغيرت ملامحه كثيرا ، وحزنت أيضا لأنه ذكر عبارة سمعتها منه قبل 12 سنة كاملة :” زملائي يحكمون العالم وأنا لا أحكم حتى في بيتي ” قالها مرات عندما كان يخط مقالاته الأسبوعية ” تداعيات ” في صحيفة كانت تستقطب النخبة ويقرأها الشباب ويقرأها العمال ويقرأها الطلبة ، بل وأقرأها أنا وأعيد قراءتها حتى وإن كنت ضمن طاقمها كما أحتفظ بعدد من المقالات التي لازالت راسخة في ذهني لحد اللحظة ، ، بوباكير قال مقولته وهو خريج جامعة ” سان بترسبرغ ” الروسية التي درس فيها بوتين وميدفيديف :” هم يحكمون العالم ، وهو لم يستطع حتى أن يحكم بيته  ” .

الملفت أن الأستاذ ، يرى صورته في صورة النخبة الجزائرية ، مشهد الخيبة الذي عشعش في الوسط الإعلامي ، حال التشرذم المجتمعي في البلاد ، فالعبارة التي ذكرها في سياق محاضرته خلال تكريمه في منطقة ” تاكسنة  بولاية جيجل ، لم تكن سوى مرآة لواقعنا الإعلامي ، فكتاباته التي لازالت اليوم ” تشفي الغليل ” كما علق أحدهم على العبارة ، لكنها مؤلمة وموجعة كما علق الكثيرون أيضا ، فالكثير من الوجع ما يداوي ، ولو لا مرارة الدواء لما جاء العلاج ولولا الفشل لما تعلمنا فنون الفوز ، ولولا التعب لما نلنا الهدايا  .

المثير في القضية كلها ، أن قطاع الإعلام على العموم في الجزائر ، صنع وجوها وهمش الكثير من الأقلام القوية من مختلف الاختصاصات والعلوم والفنون ، خبرات كل واحد منها تزيد عن الثلاثين سنة ، كان الأجدر الاستفادة من تجاربها واستغلال رؤيتها للفضاء الإعلامي الذي يعد حقا ” السلطة الرابعة ” وتيرموميتر الشعوب ، بحيث لا يمكن بناء قطاع السمعي البصري والفضاء الإعلامي الالكتروني أو ما يسمى ب” الإعلام الجديد ” دون اللجوء إلى أصحاب الخبرة ، ومن عاشوا فترة وهج الصحافة الخاصة والسنوات المريرة التي أعقبتها وما تلاها من أحداث وتغييرات في العمق المجتمعي الجزائري ، هؤلاء وجب معاملتهم بصفة ” المعلم والملهم والقائد ” .

للأسف الجميع يطرح إشكالية :” المعلومات المغلوطة ” وغيرها من الممارسات المقيتة للمهنة ، عبر الفضاء الافتراضي ، لكن لا أحد طرح الفكرة من زاوية أخرى ، من خلال وضع حد  لتهميش النخبة بمختلف أطيافها وتوجهاتها ، وقبول الرأي والرأي الآخر ، فالتغيير لن يتم بين عشية وضحاها أولا ، كما يحتاج لطاقات ووقت وجهد وصبر ثانيا ، ويتطلب تهديم الأصنام في عقول الجزائريين ، وإزالة الكثير من الحصون المنيعة والأسوار العالية التي شيدت مع مرور السنوات وتجاوز العثرات والأخطاء والمنعرجات التي عاشتها الصحافة المكتوبة ثم السمعي البصري لاحقا ، إما طواعية أو بتراكمات السنوات العجاف في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة ، فأخرجت لنا وجبات إعلامية ،  تتطلب دراسات وبحوث ونظريات جديدة في الإعلام ، واقع تتحمله شطره الأول السلطة التي لم تنظم القطاع  ، ويتحمل شطره الثاني المهنيون في الإعلام خصوصا الذين لم يضعوا ميثاق شرف الممارسة المهنية ، لتصبح اليوم مهنة ” الصحفي المحترف ” بطاقة وطنية ، لم يتحصل عليها الأستاذ الكاتب والإعلامي والمترجم عبد العزيز بوباكير لحد اليوم رغم أنه مارس المهنة لمدة 40 سنة  ؟ .