إن كل من صفق على عبد المجيد تبون في إطار صراعه مع علي حداد، فإما أنه يتماشى مع العاطفة الآنية أو جاهل بتاريخ الجزائر منذ1962، أو لا يدرك أن المعركة ضد المال الفاسد والدعوة للفصل بين المال والسياسة لايتم بهذا الشكل إطلاقا، بل يتطلب إجراءات وتنظيمات وقوانين من الصعب جدا أن يقبل بها النظام الجزائري اليوم إلا بضغط شعبي حقيقي، وبوضع ميكانيزمات عملية تعيد الدولة إلى الأمة كلها بكل شرائحها الإجتماعية بدل ما تكون في خدمة طبقة محددة، كما حدث، ويحدث منذ1962، ولايتحقق ذلك إلا بإعادة النظر في طبيعة النظام السياسي ذاته، وإقامة تنظيم سياسي جديد، والذي دعينا إليه، ووضعنا ميكانيزماته وآلياته في الكثير من كتبنا، ومنها كتابنا “النظام البديل للإستبداد”، ويأتي على رأس هذه الآليات إنشاء مجلس أو برلمان منتحب وتمثيلي لكل شراح المجتمع، فكل شريحة تمثل دائرة إنتخابية لذاتها، كما يملك ممثلو كل شريحة حق الفيتو في كل قانون أو إجراء يخصها، وإذا مس القانون أوالإجراء المقترح من السلطة التنفيذية الكثير من الشرائح الإجتماعية، لإغنه يتم التفاوض والتراضي فيما بينها بتنازلات متبادلة،  وبذلك فقط نعيد السيادة الحقيقية للأمة كلها، وتبقى الجزائر محافظة على مبدأ وهدف ثورتها الأساسي، وهي إقامة الدولة الديمقراطية والإجتماعية، أي الجمع بين الحريات الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وعدم الفصل بينهما.

لكن لم يتحقق هذا الهدف، وتم الإنحراف عنه في1962 ، فدارت الجزائر 360 درجة، لتعود إلى نقطة البداية، وهي عودة الأوليغارشية المالية الذين أسميهم ب”الكولون الجدد”، الذين سيطروا على دواليب الدولة،  وحولوها إلى أداة في خدمة مصالحهم فقط، نعتقد أن تبون لم يكن صادقا في دعوته للفصل بين المال والسياسة أو في دعوته إلى حوار من أجل إجماع وطني مركزا فيه على المجال الإقتصادي، لأنه أراد إخفاء جوهر الأزمة في الجزائر، فلنعلم أن المشكل سياسي يعود إلى 1962، فكل ما تعانيه الجزائر اليوم إقتصاديا وإجتماعيا هو نتيجة للإنقلاب على مؤسسات الثورة وسرقة سيادة الأمة في عام 1962، ولا يمكن تصحيح الوضع إلا بإعادة السيادة الكاملة للأمة، وذلك بإجراءات تنظيمية وميكانيزمات، ويأتي على رأسها الآليات التي أشرنا إليها،  أو على الأقل إجراء تعديل جوهري على مجلس الأمة الذي يمتلك فيه الثلث المعين من الرئيس حق الفيتو برفضه كل القوانين التي يصادق عليها المجلس الشعبي الوطني، ويتمثل هذا الإجراء  بتحويل تركيبة مجلس الأمة إلى تركيبة تضم ممثلي كل شرائح المجتمع، وذلك بإنتخاب كل شريحة إجتماعية ممثليها في هذا المجلس دون أن يكون لها أي إمتيازات كي تبقى مصالح ممثلي كل شريحة مرتبطة بمصالح الشريحة التي تمثلها في المجلس، وتمتلك ايضا حق الفيتو كما أشرنا آنفا، نعتقد أي دعوة خارج هذه المسألة التنظيمية والسياسية هي مجرد ذر للرماد في العيون ومجرد تحضير لرجال أعمال جدد تدعم المرشح القادم للرئاسيات في 2019.

لا يجب على الجزائري أن يكون جاهلا بتاريخ الجزائر منذ 1962، وأن تكون ذاكرته قصيرة، وسأنطلق في ذلك مما كتبه المفكر الإيراني علي شريعتي بقوله أن كل دين تتم سرقته بعد وفاة نبيه ورسوله من طرف الإستبداد وأصحاب المال ورجال دين أو الكهنوت، فيستخدمونه لخدمة مصالحهم، ويحرفونه عن مبادئه الحقيقية، وقد انطلقت من هذه الفكرة لأبين كيف انحرفت الثورة الجزائرية منذ 1962في كتابنا “رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ، وبينت على أساسها  كيف سرقت الثورة ومبادئها من هذا الثلاثي آنذاك حتى وصلنا اليوم إلى عودة ما أسميهم ب”الكولون الجدد”، ولتصحيح هذا الأمر يتطلب منا اليوم ثورة فكرية وسياسية سلمية تعيد لثورتنا بعدها السياسي والإجتماعي وإستكمال مسارها وأهدافها التي توقفت في 1962، وهي إقامة الدولة الديمقراطية والإجتماعية.

لعل لا يعلم الكثير كيف أقيم هذا التحالف المقدس الثلاثي بين المال والسياسة بمباركة كهنوت من إعلاميين وفنانين وأدباء ومثقفين ورجال دين وغيرهم، ففي عهد بن بلة الذي كان يقول سأخفض شحوم الأغنياء بدل ما يقول سأرفع مستوى الضعفاء إلى نفس مستوى الأغنياء، لكنه تجاهل وسكت عن إستيلاء الكثير من أنصاره على العقارات التي تركها المعمرون، كما كان رجال  المال يزوجون بناتهم لرجالات السلطة بهدف حماية وخدمة مصالحهم، أي إقامة تحالف مالي-سياسي بالمصاهرة، وعاشت الجزائر نفس الأمر في عهد بومدين، أين كان رمز أصحاب المال هو  مسعود زقار، لكنه سجن في عهد بن جديد، ليأخذ هذا الدور المالي عائلة أصهاره بوركبة، وفي عهد التسعينيات يبرز إسم يسعد ربراب كرمز للمرحلة، ثم في بداية حكم بوتفليقة يبرز الخليفة بن عبدالمؤمن خليفة الذي سيسجن حتى هو، ليخلفه علي  حداد الذي سيعرف في نظرنا نفس المصير، وسيخلف برمز آخر للمال سيشرف على تمويل المرشح القادم لخلافة بوتفليقة مقابل تقديم خدمات ومناقصات له ولحلفائه من رجال المال كما قدمت للذين سبقوه وحلفائهم.

لقد كان كل هؤلاء من رجال المال مجرد أدوات للإستبداد بآلة إعلامية تشبه الكهنوت، ويبدو أن الرغبة في التخلص من حداد والآخرين اليوم هو بسبب تحالفهم مع سلال الذي كان يخطط لخلافة بوتفليقة في 2019، مما يتطلب إزاحة سلال وكل أدواته المالية والإدارية والإعلامية التي جهزهم لخلافة بوتفليقة، لأن هناك طرف آخر يريد هو خلافته، وقد استخدمت هذه العملية التبونية كنوع من الدعاية لتبييض النظام، لكن في الحقيقة هي مجرد تمهيد لصعود رجال مال جدد سيخدمون السيد الجديد  فيما بعد، وللأسف شعبنا يصفق لذلك لأن ذاكرته قصيرة جدا، ولايعلم أن الإستبداد والمال والكهنوت حلفاء في الجزائر منذ 1962، لكن ما يتغير فقط هم الأشخاص والرموز والواجهات، فليذهب حداد وليضحى به بعد ما أحترقت أوراقه، وأصبح معرقلا للمرحلة الجديدة الآتية، ليأتي آخر وأصحابه مكانه، كما ضحي بالكثير وتعويضهم بآخرين.

فلنذكر القاريء الكريم أن في عهد بومدين كان المال يضغط بقوة أيضا، فحوارات بلعيد عبدالسلام مع محفوظ بنون وعلي الكنز في كتاب “الصدفة والتاريخ” مليئة بالحديث عن هذه الضغوط، ولعل هي التي دفعت بومدين إلى إطلاق صرخاته المشهورة  داعيا فيها إلى “الإختيار بين الثورة والثروة” في خطاباته في كل من تيزي وزو وتلمسان في 1974 ، لكن بومدين تزوج في نفس العام أنيسة بنت أحد رجال المال التلمسانيين كان يخشى على شركاته المهددة آنذاك، أفليست دعوة وصرخات بومدين في 1974 هي  شبيهة  بدعوة وصرخة تبون اليوم إلى الفصل بين السياسة والمال؟، لكن هل نجح بومدين أم تغول أصحاب المال أكثر فيما بعد؟، ولعل لانسمع بهم آنذاك لأن حرية الإعلام والوسائط الإجتماعية غير متوفرة مثل اليوم، ولعل القيمة المالية صغيرة مقارنة بالقيمة المالية اليوم، فقد توسع الفساد بشكل رهيب في عهد بن جديد بتأثير أصهاره.

برز يسعد ربراب كرمز لرجال المال مخفي متستر في التسعينيات، ويشبه ما وقع اليوم بين تبون وحداد نفس ما وقع في 1993 بين بلعيد عبدالسلام وربراب، لكن أنتصر عليه هذا الأخير الذي لقي دعما من بعض جنرالات الجيش المسيطرين على دواليب الدولة في عهد الإرهاب، كما لقي دعما من الكثير من وسائل الإعلام، مما دفع بلعيد عبدالسلام إلى خطابه الناري الذي أعدم نفسه به، لأنه قال فيه أن الجيش هو الذي أتى به ناسيا أن ربراب كان حليف لبعض الجنرالات الحاكمة آنذاك،  ومنهم بالضبط الجنرال محمد تواتي، فتمت إقالة بلعيد عبدالسلام رئيس الحكومة بعد ما شوه ووقوع نقص عمدي في كل المواد، بما فيه الخبز والقهوة لإثارة الشعب ضده، وقد ألف بلعيد عبدالسلام كتابا حول هذه القضية رفضت كل دور النشر نشره، فأضطر إلى وضعه إلكترونيا فقط، وللمفارقة أن بلعيد عبدالسلام قد أثار قضية شميكو أيضا في عهد بومدين، أين يتهم فيها مسعود زغار، لكن بومدين وقف ضد بلعيد عبدالسلام الذي سيفقد وزارة الصناعات الثقيلة في التعديل الحكومي في 1977 عقابا له وإنحيازا من بومدين لرمز المال آنذاك مسعود زقار، لكن نعتقد اليوم أن حداد لا يستطيع القيام بنفس ما قام به ربراب ضد بلعيد عبدالسلام، لأن من ساعد حداد هو الذي يضعفه اليوم ويسعى للتخلص منه، أي بتعبير آخر الرئاسة، أما الجيش اليوم فهو بعيد عن كل هذه الصراعات اليوم، فهو منشغل بمقارعة الإرهاب خاصة على حدودنا والحفاظ على أمن الجزائر.

يبدو أن حداد سيكون مصيره نفس مصير عبدالمؤمن خليفة الذي أعتمد عليه بوتفليقة لتحسين صورته وإعطاء وجه إقتصادي جديد للجزائر في بداية حكمه، لكن تم التخلص منه بعد 2004 واللجوء إلى حداد كرمز جديد ممثلا للأوليغارشية المالية.

إن المال الفاسد لم يسيطر فقط على الدولة ، بل سيطر أيضا على أغلب الأحزاب السياسية في الجزائر، فهم يزحفون بطرق شتى، وكأنهم متفقون على خطة محددة للسيطرة على هذه لأحزاب كلها، ولايمكن تحرير الأحزاب السياسية من سيطرة رجال المال إلا بالفصل الحقيقي بين السياسة ورجال المال وعدم ترك المناضلين الحقيقيين لهذه الأحزاب من سيطرة رجال المال عليها بتقديم مخصصاتهم لها، كما يجب على كل المواطنين القبول بدفع ضريبة بسيطة ومحدودة القيمة تستخدم لتمويل هذه الأحزاب، فهي في الحقيقة مجرد تضحية بسيطة منهم دفاعا عن الدولة الإجتماعية كي لايقعوا تحت رحمة هؤلاء الإستغلاليين الذين لايختلفون عن الكولون إذا تواصل زحفهم على دواليب الدولة والأحزاب بهذا الشكل الرهيب.