تعددت التفسيرات والأسباب للصراع الجديد السعودي-القطري، لكن لا يمكن فهم الجذور العميقة لهذا الصراع الجديد والغريب نوعا ما  دون العودة إلى ظاهرة الزعامة الأقليمية على المنطقة التي برزت بقوة  مباشرة بعد سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة في 1923 التي كانت تعتبر دولة-المركز للعالم الإسلامي، بدأ الصراع آنذاك بين الملوك حول من سيصبح خليفة للمسلمين، وكان شديدا بين آل سعود الذين لم يسيطروا بعد على الحجاز إلا في 1932 وتأسيسهم المملكة العربية السعودية، ونجد أيضا آل هاشم في العراق بقيادة فيصل الأول الذي نصبه الأنجليز ملكا، وكذلك أسرة محمد علي في مصر بقيادة الملك فؤاد، ففي هذه الأخير نشب صراع فكري من خلال عدة كتب أهمها “الخلافة” لرشيد رضا المناصر لفكرة تنصيب خليفة جديد للمسلمين، ويقابله كتاب “أصول الحكم في الإسلام” لعلي عبدالرازق المعاد للخلافة، وأثبت أنها ليست ركنا في الإسلام، وقد عرضه هذا الكتاب للمحاكمة والتكفير إلا لأنه عرقل طموحات الملك فؤاد.

لكن بعد التخلي والعجز على تنصيب خليفة للمسلمين أستمر هذا الصراع بين كل من مصر والعراق والسعودية إلى تسعينيات القرن20، و أخذ  أبعادا أيديولوجية، فتارة صراع بين أنظمة “تقدمية” و”رجعية”، وتارة أخرى بين جمهوريين وملكيين، لكنه في الحقيقة هو صراع حول الزعامة الأقليمية، وإلا كيف نفسر الموقف الغريب لنظام عبدالناصر الداعي لوحدة عربية، لكنه وقف ضد محاولات العراق ضم الكويت بعد إستقلالها عن بريطانيا في 1960؟، فقد كان عبدالناصر في الحقيقة يخشى دولة عراقية قوية بالنفط الكويتي، فتتحول إلى زعيمة أقليمية دون منازع في المنطقة.

يمكن لنا القول أن هذا الصراع بين الدول الثلاث أنتهى بإنتصار السعودية المدعومة بدول خليجية أستقلت في 1971 عن بريطانيا وقوة  البترودولار بعد إرتفاع جنوني لأسعار النفط في السبعينيات، فتم  دحر العراق بالحث على غزوها بعد ما أستخدمه الخليجيون لمواجهة الخطر الإيراني عليها بعد ثورة الخميني الإسلامية في1978، أما مصر فقد انتهت كقوة أقليمية اليوم بالرغم من أنها أكبر دولة مساحة وسكانا، خاصة بعد ما أشعل فيها “الربيع العربي” بدعم تركي ودول خليجية، وعلى رأسها قطر، فقد كان من المفروض أن تعود الزعامة الأقليمية إلى السعودية بعد ما أقصت منافسيها التاريخيين، لكن أمريكا اتخذت قرارا آخر بإختيارها تركيا كي تتحول إلى دولة- مركز تتحدث بإسم العالم الإسلامي كما نظر لها لذلك الإستراتيجي  صموئيل هنتغتون في كتابه “صدام الحضارات”، فظهر في هذه الظروف حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وبنظرية “العمق الإستراتيجي لتركيا” التي وضعها داوود أوغلو، والتي تستهدف تحقيق نفوذ تركي سلس وناعم على ممتلكات الدولة العثمانية السابقة، وكان من المفروض تحقيق الربيع العربي ذلك بإيصال الإخوان المسلمين المتحالفين مع تركيا أردوغان إلى السلطة في دول الربيع العربي وكانوا يلقون الدعم المالي والسياسي والإعلامي أيضا  من دولة  قطر المالكة لقناة الجزيرة التي لعبت دورا كبيرا في هذا “الربيع”.

لكن فشلت تركيا في تحقيق هذه الأهداف، وبدأت في التراجع، خاصة بعد المحاولة الإنقلابية ضد أردوغان وإستنزافها في سوريا، ففقدت شعبيتها نسبيا، فهنا عادت السعودية من جديد بطموحها لتزعم العالم الإسلامي والمنطقة بعد إزاحة نسبية لتركيا، وقد أعطت زيارة ترامب الأخيرة الضوء الأخضر للسعودية كي تكون بديلة لتركيا التي أستند عليها الديمقراطيون في السابق بقيادة أوباما، فبدأت قطر تعرقل ذلك لأنها حتى هي أصبحت بدورها طموحة للزعامة الأقليمية رغم صغر مساحتها وقلة سكانها، إلا أن قطر أدركت أن عالم اليوم لا يشترط قوة سكانية أو شساعة مساحة للعب دور أقليمي كبير، وهو ما أغضب السعودية غضبا شديدا، فمن غير المعقول أن تقبل السعودية منافسة لها من دولة تراها صغيرة جدا، وليست في وزن العراق في الماضي أو مصر أو تركيا، وهو ما يتطلب قطع أجنحتها إن لم يكن القضاء عليها نهائيا، فهنا نشب صراع أقليمي عربي-عربي جديد بين السعودية وقطر، وهما دولتين خليجيتين، وهو ما لم يحدث إطلاقا عبر تاريخ هذا الصراع الأقليمي، فقد كانت دائما كل دول الخليج وراء القوة الكبرى فيها المتمثلة في السعودية.

سيكون لهذا الصراع تأثير كبير على المنطقة كلها، ويمكن أن يؤدي إلى نشوب حروب دموية بين الدولتين عبر الموالين لهما في المنطقة،  وهما الوهابيين الموالين للسعودية والإخوان المدعومين من تركيا، ويبدو أنه سيكون صراع أيديولوجي بطابع ديني، وهو ما ينبأ  بحرب دينية جديدة داخل العالم السني بين التيارين، الذي سيضاف إلى الصراع السني-الشيعي الذين استنزف قوة العالم الإسلامي، وأضعفه أكثر، يعتبر في نظرنا  الصراع الوهابي-الإخواني صراعا طائفيا لا يختلف عن الصراع السني-الشيعي، لأن في الحقيقة حتى هذا الأخير بدأ سياسيا في الماضي الإسلامي البعيد، ثم أخذ إتجاهات وخلافات دينية، وهو نفس ما سيعرفه الصراع الإخواني-الوهابي في المستقبل الذي هو صراع سياسي بطابع ديني أيضا، ويظهر ذلك اليوم حتى في خلاف كبير جدا بينهما في التأويلات والممارسات الدينية ذاتها.

وستتحالف الكثير من الأنظمة القائمة في المنطقة مع الوهابيين في هذا الصراع، مما سيعطيهم لهم قوة أكثر ويسمح لهم بالتغلغل في دواليب الدولة، كما سيدعمهم الأمريكيون، لأن هؤلاء  لا تهمهم حداثة أو ديمقراطية أو إسلام معتدل أو غير معتدل، بل يريدون إنشاء أنظمة شبيهة بالنظام السعودي الذي لم يوجد نظام آخر مثله خدم المصالح الأمريكية منذ الإتفاق الإستراتيجي بين روزفلت وآل سعود على باخرة كوينسي في 1945.

تساءل الكثير ما الدور الأمريكي في هذا الصراع الجديد؟، ولما نشب بعد زيارة ترامب إلى السعودية والترحاب الكبير الذي لقيه؟، فنقول أن ترامب أعطى الضوء الأخضر للسعودية كي تتحول إلى دولة – مركز في منطقتنا الإسلامية  بدل تركيا التي أعطي لها نفس الضوء منذ نهاية  بدايات الألفية الثالثة  ووصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، لكنها فشلت في المهمة المكلفة بها، وطبعا لتحقيق ذلك كله اليوم يجب محاصرة قطر ومن خلالها إضعاف أكبر لتركيا ونفوذها في المنطقة.

وبناء على ذلك كله، فإنه من المنتظر جدا نشوب “ربيع أو خريف دموي” جديد في المنطقة، والذي سيسمح بوصول الوهابيين إلى السلطة في عدة دول بعد ما فشل الربيع العربي الأول في إيصال الإخوان إلى الحكم بدعم تركي- قطري، وهنا بيت القصيد، فمنطقتنا مقبلة على فوضى كبيرة جدا، وسيحركها الأمريكيون بأساليب شتى، وهدفهم في ذلك كله إحداث إضطرابات أمنية في جنوب المتوسط لإقلاق أوروبا التي تنافسهم بشكل غير مباشر على الزعامة العالمية، كما يستهدفون إيصال الوهابيين إلى الحكم في دول منطقتنا خاصة الغنية بالنفط، ويصبحون حلفاء لهم مثل السعودية، ويشكل الإنسحاب الأمريكي الأخير من إتفاقية باريس حول المناخ عاملا رئيسيا في إثارة هذه الفوضى الأمنية، لعل يتجاهل الكثير التأثيرات السياسية والأمنية لضعف التحكم في التغيرات المناخية من خلال التأثير على الهجرات السكانية، فبسبب ضعف التحكم في هذه التغيرات سيزداد عدد المهاجرين، خاصة من غرب-جنوب أفريقيا، مما سيضخم الأزمات الإجتماعية في بلداننا، ويقوي الحركات الإرهابية التي ستستغل هذه الأزمات وكذلك المهاجرين،  ويمكن أن تأخذ هذه الحركات أشكال أخرى بعد تراجع داعش والقاعدة.

لايجب أن يغيب عن ذهننا دور التغيرات المناخية حتى في إندلاع بعض أحداث الربيع العربي، فقد أثبتت العديد من الدراسات والأبحاث هذه العلاقة التي يمكن أن يراها البعض غريبة نوعا ما، فلم تكن الأزمة في سوريا مثلا إلا بسبب هجرات عراقية بعد الغزو الأمريكي لها، ثم ضخمها ضعف إنتاج القمح بسبب التغيرات المناخية، مما أزم الوضع في سوريا، وكانت الأزمات الإجتماعية وراء إندلاع تلك الأحداث فيها بعد إستغلالها من عدة أطراف محلية واقليمية ودولية، ويمكن العودة حول  تأثير التغيرات المناخية على الحروب الأهلية إلى أبحاث ودراسات سولومون هايسينغ ومارك كاين وكيل ماينغ وغيرهم .

البروفيسور رابح لونيسي