يخطئ من يظن أن الإعلام في بلادنا لا تصوغ أبجدياته السياسة ، و يخفق من يحاول عبثا أن يفصل الإعلام عن السياسة و يبرهن على استقلالية المؤسسات الإعلامية و حتى الخاصة منها عن الأجهزة الحكومية في بلادنا ، غير أن مشاركة سعيد بوتفليقة في الوقفة  التي نظمها مثقفون و معارضون تضامنا مع  رشيد بوجدرة الذي تعرض للتعنيف و الاعتداء اللفظي في حصة للكاميرا المخفية كانت قناة النهار قد عرضتها بحر الأسبوع المنصرم على شاشتها وقت الإفطار ؛ مثّل محاولة للخروج عن نص هذه القاعدة الذهبية – و لو من حيث الظاهر – و سعيا لتنصل السياسيين من مسؤولياتهم في ما آلت إليه وضعية الإعلام التي تدعو للشفقة و الرثاء .

لأول وهلة تنتابك حيرة شديدة حتى إنك لا تجد تفسيرا لظاهرة ميزت قنواتنا التلفزيونية خلال الشهر الفضيل و الخاصة منها على وجه التحديد فلا تكاد تنتقل من قناة إلى أخرى و أنت وسط جوي عائلي مفعم بالإيمانيات و الروحانيات المتدفقة بانسياب منقطع النظير على إثر يوم حافل بمغالبة النفس و مكابدتها و صدّ نزواتها و ردع شرورها حتى تصدمك تلك المشاهد المتكررة و المتناقضة تماما مع ما جهدت نفسك لتركه طوال يومك الشاق لتنهال عليك صنوف السّباب و العراك و يهولك احتدام الجدال و النفخ و القذع و اللذع ، و كلما حاولت الهروب إلى قناة أخرى لعلك تجد بعض الهدوء و السكينة لتساعد حلقومك على ابتلاع تلك اللقيمات التي ما تبرح أن تزدردها بجرعة ماء حتى تبادرك تلك القناة التي فررت إليها من ظلم أختها بأقبح الألفاظ و أبشع المناظر و أشنع الشتائم .

و أنت تحتسي قهوتك لتعدل رأسك الذي لا يكف عن الدوران و تستعد لمغادرة بيتك لتصلي التراويح علّك تستعيد بعض ما ضاع منك من طمأنينة نفسية ، تحاول فك شيفرة وقفة بوجدرة و أصحابه و قدوم سعيد بوتفليقة كرمز للسلطة، لا تكاد تضبط توازنك من شدة وطأة الإبهام و تعقيد الموقف إذ كيف للسلطة السياسية على جلالة قدرها و هي من هي في تاريخها الحافل بالانتصارات و سيفها البتار لا يزال يقطر دما من رقاب عتاة المخابرات الذين أرغمتهم و أركعتهم و صيّرتهم عدما بعدما صالوا و جالوا  أن تصبح بقدرة قادر معارضة على عتبات مؤسسة إعلامية لا تقدم و لا تؤخر ، و تتيه رأسك في وضع الاحتمالات و السيناريوهات و التكهنات و تسيطر ربما و لعل على حديث نفسك فلا تستقر على رأي و لا ترسو سفينتك على بر ، و يجول بخاطرك سؤال ملح لا يزول عن ذهنك مهما حاولت : ماذا تريد السلطة الحاكمة بهذه الخرجة الجديدة ؟ و تتشعب التساؤلات … ما هو حظ سعيد بوتفليقة من مسألة خلافة أخيه ؟ هل أصبحت قناة النهار بهذه الأهمية حتى تهبط السلطة من عليائها لتشتكيها ؟ إلى هذه الدرجة باتت تشكل خطرا عليها ؟ لماذا لم تتعامل معها بأساليبها ” القانونية ” المعهودة و “تجرجرها ” في أروقة المحاكم و تغرقها في قضايا عدم تسديد المستحقات الضريبية أو تخنقها بقطع مورد الإشهار عنها ؟ تتصارع هذه الأسئلة و غيرها في دماغي و أنا لا أستطيع هضم فكرة أن السعيد هبط إلى شارع ديدوش مراد لمواساة رفيق دربه في النضال النقابي في الكناس أيام الزمن الجميل ، لم أجد جوابا شافيا للمغزى من هذه الحركة التي قامت بها السلطة غير أنني ازددت معها يقينا بأن السياسة في بلادي الحبيبة تحاكي الإعلام في أدق تفاصيله و أصغر جزئياته ، تشبهه في السلوك و القيم لا تكاد تتناقض معه لبرهة و لعل أبسط دليل على ذلك وجود كلية في جامعة الجزائر 3 تجمع بين العلوم السياسية و الإعلام مخالفة في ذلك ما درجت عليه بقية الجامعات الجزائرية في دمجها بين العلوم السياسية و الحقوق ، و انطلاقا من كون إعلامنا يختفي وراء كاميرا مخفية تختبئ هي الأخرى خلف الشهر الفضيل الذي يبحث فيه المواطن المطحون عن لقمة هنية و شربة مرية و برنامج مسلي و هادف لا يفرق لمّة عائلته التي دائما ما يسعى لجمعها على طاولة واحدة و التي شتتها بقية شهور السنة في أودية الركض وراء المشاغل الحياتية التي لا تنتهي و قضت على ما تبقى من أوقاتها وسائل التواصل الاجتماعي  لتغطي تلك الكاميرا البائسة عيوب إعلام منهك و تدرأ عنه النقد اللاذع ، فتنفضح و تنكشف مع أول حلقة تعرض فيها و يطابقه في ذلك تمام المطابقة الإعلان عن حكومة ” مخفية ” لا يجاريها في سرعة تشكيلها سوى سلق ” البوراك ” تحاول أن تخفي إخفاقات لا يكف حزبا السلطة و من ورائهم الولاّة المستوزرين عن اجترارها مع أطباق الجاري و الحريرة وشوربة الفريك لتُفضح مع الساعات الأولى لتشكيلها و ليكون أول القصيدة كفر لا تضاهيه إلا شتائم و سباب البرامج التلفزيونية في سهرات رمضان ،  و إذا كانت آفة الإعلام التي فضحتها برامج رمضان الموغلة في الإسفاف و الابتذال هي في المقام الأول عدم وجود سيناريوهات محكمة لكل ما يتم عرضه من كاميرا مخفية و مسلسلات و سكاتشات و تصميم مسبق للمشاهد و اللقطات حتى يستطيع المشاهد فهم المغرى من تلك الأعمال و بدلا من ذلك يغلب عليها الإرتجال و يسودها ” تلقام الهدرة ” ،  فكذلك هي السياسة في بلادي المسكينة كم تعاني من افتقادها لبرامج سياسية و اقتصادية و اجتماعية و خطط تنموية  تجعل المواطن البائس يستسيغ ما تقوم الحكومات المتعاقبة بصرفه و إنفاقه في مختلف القطاعات التنموية و في المقام الثاني نجد تناقضا صارخا بين القيم الجزائرية المرتبطة بهويتها الإسلامية و العربية الأمازيغية و ما يبثه الإعلام و يضخه يوميا و على مدار الساعة و بالخصوص في أوقات الذروة من قبح و رداءة و فضاضة و قلة حياء اللهم إلا النزر اليسير من البرامج التي يتم تقديمها في مواقيت لا تساعد الغالبية من المشاهدين على متابعتها ، و حتى سياستنا كم ذا تعاني من انعدام الرشاد و استشراء الفساد السياسي و المالي و التزوير و الزبائنية و شراء الذمم و الأصوات  و التقشف على الفقراء و المساكين و البذخ و السرف مع أصحاب المصالح و الفاسدين  ، و كما أن الإعلام يعاني من الطفيليين الذين لا علاقة لهم بالقلم أو الكاميرا والذين تسلقوا  على ظهور أبناء الإعلام الشرعيين و هو اليوم في أمسّ  الحاجة إلى كفاءات إعلامية من مخرجين و فنيين و ممثلين و مقدمي برامج و منشطي حصص على أعلى درجة من المهنية التي لن تتأتى إلا من خلال التكوين المستمر و المتواصل فكذلك حكوماتنا و جماعاتنا المحلية التي تئن تحت وطأة الانتهازيين و الوصوليين و المتربحين و عديمي الضمير و الإنسانية من المتسيسين و المتاجرين بالمناصب هي في أمس الحاجة  لإطارات و إداريين يعوزهم التكوين و التدريب و التطوير لترتفع مردوديتها إلى أرقى المستويات ،  و كما أن الإعلام يشكو من التمييع و عدم وضوح ضوابط لممارسته و قانون أساسي يحدد معالمه لطالما عانت سياستنا من التمييع و الغموض و النصوص الدستورية و القانونية الفضفاضة التي تتحلل فيها الصلاحيات و تختفي بين سطورها المسؤوليات و تكرس للتسيب و الممارسات العشوائية و الفوضوية في الدوائر الحكومية و الإدارية و القضائية و التشريعية المختلفة .

نريد إعلاما راقيا و سياسة ترتقي بارتقائه ، نريد إعلاما يعكس أصالتنا و قيمنا و لا يخفي فشلنا و إخفاقنا ، نريد إعلاما يسبق أي سلطة تسعى للمحاسبة أو المراقبة ؛ إعلام لا تطاله أيدي العابثين بظلم و إجحاف إذا ما انتقد الساسة أو تناول إخفاقاتهم بسخرية هادفة ، نريد إعلاما يوجه السياسة و يقودها لتحقيق أهدافها و ليس إعلاما توجهه السياسة و تتحكم فيه عبر المكالمات الهاتفية و أجهزة التحكم عن بعد حتى إذا لم يرضخ لها واجهته بأنواع العقوبات و التضييق وأروقة المحاكم .