“أنهى رئيس الجمهورية، اليوم، مهام وزير السياحة والصناعات التقليدية، مسعود بن عقون، حسبما أفاد به بيان لرئاسة الجمهورية”.
بهذه الكلمات المقتضبة، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية خبر إنهاء مهام وزيرٍ بعد ساعات قليلة من تعيينه، من دون أن تتكرّم بتقديم تفاصيل أكثر. إن كنتَ تريد مزيداً من المعطيات حول هذا الخبر المثير، فتوجّه إلى تلك القناة الخاصّة، التي تمثّل لسان حال السلطة؛ حيثُ ستجد المشانق معلّقة.
ستقرأ أخباراً عاجلة ومتتالية وبالبنط العريض بحيث تغطّي ربع الشاشة تقريباً، وستكتشف أن الوزير الشاب “تحصّل على شهادة ليسانس بالتزوير، بعد ثماني سنواتٍ من الدراسة”، وأنه “محكوم بأربع إدانات قضائية”، وستعلم أن الرئيس (الذي لا تراه ولا نراه) “أنهى مهام الوزير فور تلقّيه تقريراً أمنياً”. الجزئية الأخيرة رأت القناة أنها تعكس “عدم تسامح بوتفليقة مع الفساد”.
الحقيقة أن تعيين شاب لم يسبق أن عمل في حياته، ويفتقر لأدنى المهارات التي تؤهّله لتولّي منصب عمل بسيط، وزيراً، كان في حدّ ذاته فضيحة عكست حالة التخبّط التي تعيشها السلطة، وترجمةً مشوّهة لشعار تشبيبها. أمّا وقد جرت تنحيته بهذا الشكل وبهذه السرعة، فقد أصبحت الفضيحة بجلاجل. حالة التخبّط والتسيّب هي أكبر وأعمق ممّا نعتقد جميعاً.
أيّاً يكن، فبن عقّون، في النهاية، هو ضحية السلطة ذاتها. هذه السلطة التي تغلّب الولاء على الكفاءة، وترفع مناصريها من قاعدة العمل الشعبوي والتخلاط والبلطجة إلى أعلى هرم مسؤوليات الدولة. انعدام الكفاءة لم يكن سبباً في تنحيته. هو كان ليستمرّ في منصبه بشكل عادي لو لم يكن ذا سجّل قضائي حافل.
بتعيينه وزيراً، أعطت السلطة رسالةً بالغة السلبية حول مقاربتها لمفهومَي الكفاءة والتشبيب. وليست الرسالة التي تقدّمها تنحيته بأقل سلبيةً؛ فاستمرار وزراء ومسؤولين سامين حامت حولهم شبهات الفساد، بينهم مدانون قضائياً ومساجين بتهم ثقيلة مثل التجسّس، وعودة آخرين كأبطال بعد صدور مذكّرات توقيف بحقّهم… وعدم اقتراب العدالة أصلاً من النافذين وأبنائهم، كل ذلك يدحض مقولة “عدم تسامح بوتفليقة مع الفساد”، ويوجّه رسالة مفادها أن الفاسد “غير المتكّي” يُنحّى، والفاسد “المتكّي” يستمرّ.
بن عقّون عاش تجربة شبيهة ببرامج الكاميرا الخفية التعيسة التي تعرضها القنوات الجزائرية هذه الأيام، جعلت منه أصغر وأتعس، وربما أقلّ الوزراء كفاءةً في تاريخ الجمهورية. لكنه بالتأكيد ليس أكثرهم فساداً.