أعمدة الرأي

نخبنا المثقفة في مواجهة الإنهيار الجزائري

  كلما زادت الجزائر تدهورا وإنهيارا وتقهقرا سمعنا الكثير يحملون المسؤولية لنخبنا المثقفة كأنها هي التي سيرت الجزائر أو ساهمت في صناعة قرارات كارثية على مستقبلها، فنجد البعض يردد سؤالا في المجتمع وبعض وسائل الإعلام وهو: أين هي النخب المثقفة مما يحدث للجزائر؟، أن جزائرنا هي فعلا تغرق يوما بعد يوم في المستنقع ببسبب قصر النظر والمصالح الضيقة جدا للكثير من “النخب السياسية” إن كانت فعلا نخبا، وكأن هذه التساؤلات حول النخب المثقفة تكرارا لما يردده مزورو التاريخ  بعد إسترجاع الإستقلال الذين سعوا لتقزيم دورهذه النخب عمدا بإيحاء من السلطة آنذاك التي تخشى من عمق نظر أغلبيتهم، فأتهموا بالسلبية أثناء العهد الإستعماري، وهو ليس صحيحا على الإطلاق، فهل من المعقول أن نعمم موقف عدد محدود جدا على كل المثقفين كما يحدث اليوم بمحاولة تعميم موقف القليل من الإنتهازيين على كل نخبنا المثقفة.

  بالعكس تماما فالكثير من نخبنا المثقفة مواقف جبارة من أجل الجزائر، أفليست هي التي دفعت الثمن في التسعينيات؟، وهجرت فيما بعد، فهل أهتمت السلطة بما يطرحه الأكاديميون والمثقفون حول الأخطار المحدقة بالجزائر وطرحهم للحلول في العديد من أعمالهم؟، فقد عمد الذين أستولوا على الدولة إلى تهميشهم ليس فقط بشكل مباشر، بل بسعيهم لإبعاد الشعب عنهم بسياسة تعليمية وإعلامية تصنع الجهل المركب في الفرد لتفقده الروح النقدية، ثم تحوله قابلا لخزعبلات وخرافات آتية من هنا وهناك تستهدف إستحمار الشعب وإستغبائه بدل السماع للمثقف النقدي الذي ألصقت به نعوت التخوين والتكفير عمدا كي لايسمع صوته، فكما حاول مشروع بلوم فيوليت الإستعماري فصل النخب عن عامة الشعب في ثلاثينيات القرن الماضي قامت السلطة بسياساتها التعليمية والإعلامية بنفس الأمر اليوم.

   كما لاننسى أيضا أن لمصالي الحاج دورا في تشويه المثقفين داخل الحركة الإستقلالية معطيا لهم شتى النعوت والأوصاف المقززة، خاصة بعد ما أنخرط هؤلاء بقوة داخل الحركة في الأربعينيات، فأعطوا للحركة بعدا جديدا من ناحية البرنامج والإستراتيجية والطرح وغيره، لكن مصالي خشي على سلطته منهم، فشرع في تشويههم وإستخدام “البولتيك” ضدهم، ويأتي على رأس هؤلاء المثقفين آنذاك لمين دباغين الذي تحول آنذاك مقصدا ومنارة لكل مناضلي الحركة لذكائه وكفاءته وإخلاصه وخطابه الوطني الجديد، فعمل مصالي على طرده من الحزب بأساليب لاأخلاقية، ليتبعه بآخرين كثر آنذاك، فهذه الظاهرة للأسف لازالت تتكرر في سلوكاتنا السياسية إلى حد اليوم، ويمكن تسميتها ب”ظاهرة الخوف من المثقف”، ولم يكن دافع هؤلاء الخائفين في الحقيقة إلا الخشية على سلطتهم ونفوذهم لا غير.

   تعيش الجزائر اليوم مرحلة  تحول خطيرة لرهن مستقبلها، فهل من المعقول أن لايدرك صناع القرار عندنا أن العالم اليوم في تحول كبير، وأن هناك نظاما عالميا جديدا قيد التشكل، ويمكن القول أن العالم في طريقه إلى دولة عالمية ستقام على شكل هرمي، ويتحدد موقع كل أمة  في هذا الهرم حسب قوة دولتها، وإذا واصلنا على هذه الوتيرة المتقهقرة، ولم نستدرك الوضع فإن وضعنا لا يكون فقط على هامش التاريخ أو في قاعدة هذا الهرم، بل ستصبح أمتنا عبيدة للأمم الأقوى.

   ويبدو أن الكثير من صناع القرار عندنا منشغلون بمصالح ضيقة جدا، ولايرقى تفكيرهم  إلى هذا المستوى الإستراتيجي، فإن كانت أمم عديدة منشغلة بالعمل من أجل التموقع في أعلى الهرم في هذا النظام القيد التشكيل، فإن الكثير ممن يعتبرون أنفسهم أنهم حرروا الجزائر لكن للأسف لأخذ مكان الكولون، وكذلك “نخب سياسية” إن صحت هذه الصفة، فهذه “النخب السياسية” هي  صنفان: هناك صنف من السلطة شغلهم الشاغل الإستيلاء التام على كل مفاصل الدولة للتموقع على حساب شعبهم بعد ربطهم شبكة علاقات مع قوى  خارجية إستغلالية، ليتحولوا هم إلى كولون جدد لإستعباد شعبنا، خاصة بعد ما حبا الله أمتنا بإمكانيات هائلة خاصة المالية بفعل فورة النفط في بداية الألفية الثالثة كان من المفروض أن توظف لبناء دولة قوية في كل المجالات وإقتصاد منتج  بإمكانه أن يقترب على الأقل بكوريا الجنوبية، لكن ضيعت هذه الفرصة التي لن تتكرر بسبب تفكير سلطوي ضيق جدا وأنانية مفرطة، فسادت الإنتهازية ووظفت الأموال لشراء الذمم لأهداف سلطوية بحتة.

   أما الصنف الثان فهو من درجة أسفل جدا تجدهم في الأحزاب سواء موالاة أو معارضة شغلهم الشاغل هو التموقع داخل الحزب ذاته لتحقيق مكاسب رخيصة جدا، وكأن هذه الأحزب ذاتها تحولت إلى دويلات صغيرة يعمل البعض فيها لفرض سلطتهم على مجموعة صغيرة ممن يعتبرونهم “مناضلين”، فلهؤلاء لا إهتمام لهم بالدولة وشؤون المجتمع، ولايمتلكون أي رؤية إستراتيجية أو مشروع مجتمع واضح المعالم للجزائر، هذا إن لم يكن هؤلاء متواطئون مع الصنف الأولى-أي النخب السياسية للسلطة- على تجميد الحركية السياسية وتفريغ الأحزاب من كل طاقاتها النضالية والكفؤة مقابل مكاسب هزيلة جدا، وهو ما أفقد الشعب ثقته في أغلب هذه الأحزاب السياسية الذي اصبح يشك بأن هؤلاء مجرد ممثلين في مسرحية من إخراج صناع القرار الكبار في الجزائر، فهذه السلوكات هي التي جعلت نخبنا المثقفة لا تنخرط فيها لأنها عرفت تجارب مريرة لمثقفين وكفاءات كثيرة مع هذه الأحزاب للأسف الشديد، فهذه إحدى العوامل التي تختفي وراء التصحر السياسي الذي تعرفه الجزائر اليوم، والذي سيمهد حتما لدولة شمولية وفق الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت التي توصلت إلى نتيجة مفادها أن الشمولية هي نتيجة تصحر وفراغ سياسي، وقالت بذلك بعد دراستها المفصلة لكل من التجربتين النازية في ألمانيا والشيوعية في الإتحاد السوفياتي .

   أن ما وصلت إليه جزائر ملايين الشهداء من تقهقر سببه آليات نظام سياسي يفرز الرداءة والزبائنية والإنتهازية وتهميش الكفاءات والوطنيين المخلصين، إن الجزائر تزخر بمئات الآلاف من الكفاءات والطاقات التي لفظتها وطردتها هذه الآليات، ولايمكن أن تبرز هذه الطاقات إلا بالآليات الديمقراطية، وقد نبه الكثير من المثقفين إلى ذلك، وقد كتبنا عن ذلك منذ سنوات في كتابنا “رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ” أين قمنا بتقييم أكاديمي لنصف قرن من تاريخ الجزائر المستقلة، فبعد أن أبرزنا مؤثرات ومحددات نظامنا السياسي، وضعنا مختلف السيناريوهات المستقبلية، فقلنا أنها لن تخرج من سيناريوهات ثلاث، فالسيناريو الأمثل وهو الإنتقال الديمقراطي السلمي، فطرحنا أرضية لنظام سياسي جديد مبهر، وفصلناه في كتابنا  “ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي” منطلقين في ذلك من مباديء ثورتنا التي يجب أن تبقى مشعة ومستمرة ليست بمعاركها وبطولاتها وأحداثها فقط، بل بأفكارها ومبادئها ونموذجها السياسي والإجتماعي الذي تقدمه للعالم مثلما كان الشأن مع الثورتين الفرنسية والأمريكية، لكن للأسف فنحن بصدد تضييع فرص الإنتقال الديمقراطي مرة أخرى، وأعتقد أنه لم يبق أمامنا إلا السيناريوهين السيء والكارثي، وهما إما العودة إلى نظام شمولي سبق له أن كان سببا رئيسيا في ماوصلنا إليه اليوم وخيانة شهداءنا الذين كان حلمهم على الأقل أن تصبح أمتنا ودولتنا في نفس مستوى فرنسا في كل الميادين، لكننا للأسف لم نخطط حتى لهذا الحلم، فأصبحنا على هامش التاريخ، ويحتمل جدا أن تتحول الأمة الجزائرية عبيدة مرة أخرى لأمم أخرى كما سبق أن قلنا، هذا إن لم ندخل في سيناريو التفكك والفوضى الذي حذر منه الكثير، ويعود سبب ذلك كله إلى عدم إنتاج آليات هذا النظام رجال دولة يمتلكون بعد النظر والرؤية الإستراتيجية، وأكتفت بإنتاج رجال سلطة محاطون بإنتهازيين يناورون لخدمة أهداف سلطوية ضيقة لا غير على حساب مستقبل الجزائر.

   إننا نعيش في نقطة تحول مصيرية في مسار تاريخ أمتنا، فإما الضياع والهوان والإستعباد، وإما تعقل المتحكمون في صناعة القرار ويسمعوا للأصوت العاقلة الموجودة في داخل النظام وخارجه لإنقاذ أمتنا من الهاوية التي تسير إليه وتصحيح الوجهة بكل شجاعة بإتفاق الجميع سلطة وشعبا للقيام بعملية إنتقال ديمقراطية سلمية مدروسة تنقذ الأمة وتفرز أفضل الطاقات والكفاءات، وتحرك الشعب للتضحية والكد من أجل الأمة وعزتها بالعمل من أجل موقع في أعلى هرم هذا النظام الدولي قيد التشكل، وذلك بالعودة للعمل بدل الخمول بسبب المعنويات المنحطة بفعل آليات النظام القائمة لتي تحطم الكفاءات، فلنعمل من أجل هذا الهدف الإستراتيجي بدل التناور والتآمر للسيطرة على كل دواليب الدولة لخدمة المصالح الضيقة، فالصراع في الجزائر اليوم هو بين الإنتهازيين أعداء الأمة الذين تحركهم مصالحهم الضيقة لاغير والذين لايختلفون عن بني وي وي في العهد الإستعماري، ونجد في مواجهتهم الوطنيين الحقيقيين -وليس المزيفين-، والذين يعملون من أجل عزة الجزائر وسؤددها، ومن ضمن هؤلاء الوطنيين نجد الكثير جدا جدا من المثقفين النيرين الذين ما فتأوا يحذرون منذ أمد بعيد مما آلت إليه أمتنا، ورفضوا الإنخراط في أحزاب لأن الكثير منها هدفها التصفيق والتطبيل والتعليف ومطاردة هؤلاء المثقفين والكفاءات بأساليب لاأخلاقية دنيئة، ونقول في الأخير أن الجزائر هي في حاجة اليوم إلى شرعيات جديدة، وتتمثل في الشرعية العلمية الممزوجة بشرعية شعبية مع الولاء للجزائر والجزائر فقط، فبعد فشلنا المريع بعد 64 سنة من إسترجاع إستقلالنا، فلنعمل كلنا لإنقاذ الجزائر بالعمل على إقامة دولة ديمقراطية وإجتماعية وعلمية، وأركز على “علمية” أين تكون السلطة للعلم والعلم فقط .

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق