أعمدة الرأي

كيف نواجه مشروع استئصال العلوم الإسلامية من المنظومة التربوية؟

صرّح السيد وزير التعليم العالي بشأن ما سُمي إصلاح امتحان البكالوريا قائلا : (ما سيتم مراجعته هو تقليص عدد أيام الامتحان من خمسة إلى ثلاثة أيام، مع تقليص المواد التي يمتحن فيها الطالب. وعن أسباب المراجعة، قال حجار إن المترشح يمتحن في عدة مواد ثانوية مقارنة بنوع البكالوريا التي يزاولها، وهو ما دفع إلى التفكير في التوجه إلى “بكالوريا” أكثر تخصص. فمن خلال الصيغة الجديدة التي سيتم تطبيقها بداية من الموسم الدراسي المقبل، يضيف ذات المسؤول، سيُمتحن المعنيون في المواد الأساسية، فيما سيتم احتساب العلامات المتحصل عليها خلال السنة الدراسية بالنسبة للمواد الأخرى اعتمادا على بطاقة التقييم ) ][ الخبر \1\8\2016] .

فيكون بهذا قد تولى- نيابة عن وزيرة التربية والتعليم – الإفصاح بصورة جلية واضحة لا لُبس فيها عن حقيقة هذا الإصلاح ، فثبّتت كل ّ مخاوف واحترازات الذين عارضوا المشروع ونبهوا لجسارته على الهوية الوطنية ، وفي مقدمتها العلوم الإسلامية . فلم يعد الشك يحوم حول هذه القضية ، كونها أبرز ما هو مقصود النيل منه في هذا الإصلاح المزعوم ، وتأكد استهداف العلوم الشرعية الإسلامية في المنظومة التربوية ، وفي المرتبة الثانية اللغة العربية .

وقد اختير الزمن المناسب للبت فيه ، بما يحقق الأهداف التي لم تعد خفية على أحد أنها من أهم ما حملته وزيرة التربية على عاتقها كي تصل إليها بكل جسارة وجرأة ، دون حسبان لرأي عام ، ولا اختيار  مجتمع، ولا مراعاة لمشاعره، ولا هيبة لتاريخ خُطّ في الزمن باللغة العربية والدين الإسلامي في هذا البلد ، ولا احترام لبيان أول نوفمبر الذي حسم في هوية الثورة و مستقبل البلد .

ومن نافلة القول أن السنوات الأخيرة قدبرهنت على أن ما تعتزمه الحكومات والسلطة تمضى فيه ، لا تلوي على شيء، ولا تقف عند نذير منذر ولا عظة واعظ ولا تنبيه حكيم ، ولا رأي عام ، ولا تحذير معارضة حزبية ، ولا وجهات نظر ذوي الرأي من الباحثين والخبراء والمختصين ، فلا ترى للناس رأيا غير ما رأت ، وصوابا غير ما استصوبت.

وهي في معضلتنا التربوية هذه ماضية بعزم وتصميم ، محتقرة متجاهلة الأصوات العديدة التي تنادى وتحذر من خطورة هذه الخطوة التعيسة على مستقبل الأجيال، متجهة نحو تمكين الفرنسية مجددا من أوصال المنظومة التربوية ، مرتهنة مستقبل الفكر والعقل والقلب والسلوك لها ولثقافتها وقيمها . في وقت أثبتت فيه دول كثيرة دخلوها العصر العلمي والتقني والحضاري بترقية لغتها الوطنية ، وتحويلها لغة علم ومعرفة وحضارة .

و تبرهن الوزيرة و من يقف ورائها ومعها بصلافة وعجرفة على عدم إذعانها لمنطق العصر العلمي والتكنولوجي من وجوب زحزحة اللغة الفرنسية من اللغة الثانية إلى لغة اختيارية تتقدمها اللغة الإنجليزية ضمانا وثيقا مكينا للتقدم  ومسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي .

و قد تأكد أن الأمر كلها لا يعدو أن يكون إلا اختيارا أيديولوجيا ثقافيا ، يتحقق به الانتقام لكل ما استرجعته المدرسة الجزائرية منذ تعريبها ، للغة الفرنسية وثقافتها وهيمنتها الفكرية والثقافية . وقد صار من التحكم بالضرورة من خلال مسارنا الوطني منذ الاستقلال أن هذه الهيمنة هي أشد وأقوى أدوات تحكم فرنسا في الجزائر وإبقائها تابعة لها، دائرة في فلكها، فريسة لطمعها في خيراتها .

ما العمل يا ترى ؟ طرحنا في مقالنا السابق بصحيفتنا الإلكترونية “سبق برس” هذا السؤال واجبنا عنه بما اعتقدناه طريقا أنجع للتصدي لهذا الخطر الماحق ، ونعيد التذكير به هاهنا :

أولا على المخلصين الذين يستشعرون خطورة الأمر، ويستشرفون آثاره المدمرة للأجيال أن يستحضروا متطلب الإيمان الأكبر وهو اللجوء إلى المولى تبارك وتعالى بالدعاء ألا يحقق المغرضون أهدافهم، فعناصر الهوية الوطنية الجزائرية الكبرى ذات صلة عضوية بالإسلام ، ومستقبله في هذه البلاد ، فبقدر ما يُقضى أو يُحجّم أو يُقصى أو يُهان أو يُصغّر أو يُحقّر عنصر منها، فهو يصب في وعاء النيل من الإسلام ، بما في ذلك تاريخنا الوطني المعاصر ومنه حقبة الاستعمار والحركة الوطنية والثورة التحريرية ، فالإسلام عنصر جوهري في هذا كله ، واستهداف عناصر الهوية الوطنية يُبتغى منه استهداف الإسلام من بوابة اللغة العربية ، والتاريخ الوطني ، ودور الإسلام في تحريك النضال السياسي والمسلح ضد الاستعمار.

ثانيا ينبغي تعرف المخلصين والوطنيين على بعضهم بعضا في كل المستويات والهيئات الوطنية الرسمية والسياسية والحزبية والتربوية والثقافية والجمعية وهؤلاء هم الأغلبية يقينا ، والعمل على فتح مسالك تواصل بينهم للعمل على مواجهة هذا الدمار القادم . وبلورة موقف وطني صلب يتجه نحو غاية محددة وهي السعي لإصدار أمرية رئاسية ترسخ المكتسبات الوطنية في مركزية عناصر الهوية الوطنية في المنظومة التربوية  : تدريسا – حجما ساعيا- تدريسا في مراحل التعليم من الابتدائي إلى الجامعة – الامتحان في موادها في مختلف الشهدات الوطنية من الشهادة الابتدائية حتى الباكلوريا ، وفي الجامعة تكون متطلبا إجباريا للحصول على شهادات الليسانس وغيرها من الشهادات الجامعية الأولى .

فتخرج عناصر الهوية الوطنية في المنظومة التربوية من التلاعبات الإجرائية ، التي باتت تمثل أفضل ملاذ للنيل منها، والالتفاف على الوضوح الدستوري بشأنها .

ومع أنني لم أشهد صدى لم ذكرت خصوصا في عنصره الثاني إلا أنني لا زلت أراه مرتكزا قويا لو أُعتمد في النضال الحتمي في سبيل هذه القضية المصيرية .

وأضيف لما ذكرت أنّ على القوى المدركة لخطورة هذا المسار وأهدافه وعواقبه أن تتحرك وفق الأطر القانونية والدستورية مشكّلة جبهة قوية ، تخاطب الرأي العام وأعلى هرم السلطة ، والمجتمع ، والمدرسة والأولياء ، تحسسهم بخطورة الأمر ، وبيان أهدافه وخفاياه ، على المدى البعيد على الأمن الفكري والأخلاقي للمجتمع . ففي الوقت الذي تستهدف العولمة وأدواتها الشخصية الأخلاقية والفكرية والدينية للشباب ، ويشتد استهدافهم من قوى التطرف والغلو ، واجتلاء الشباب عن مرجعيته الدينية الوسطية والمذهبية ، تارة باسم السلفية وتارة باسم التشيع ، لأهداف لم تعد خافية على أحد ، ألا وهي خدمة دول ومشاريع سياسية كبرى تسعى للهيمنة على العالم الإسلام باسم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسلفالصالح تارة ، وباسم حب آل البيت تارة أخرى . فضلا عن التيارات المشبوهة كالماسونية والروتاري والإلحاد والتمسيح ، تطلق وزيرة التربية مشروعا تتابع قراراته وإجراءاته لاستئصال المكسب التربوي الهام الذي استعادته منظومتنا التربوية منذ التسعينيات من خلال اعتمدا العلوم الإسلامية مادة وشعبة في التعليم الثانوي .

علينا أن نتحلى بأعلى درجات الانتباه إلى أن التراخي والتهاون في التصدي لهذا المشروع الذي بات مكشوفا صريحا، فلن نطمع باسترداد ما نفقد إلا أن يشاء الله .

ر .

 

متعلقات

إغلاق