أعمدة الرأي

كيف سيعيد الحراك الشعبي الدولة للأمة ؟

   يدفع الحراك الشعبي اليوم الجزائريين إلى طرح عدة تسالات وإنشغالات مشروعة، ومنها:  ماهي السبل الكفيلة لإنجاح هذا الحراك فعليا وإيصاله إلى أهدافه؟ كيف نمنع ظهور نظام إستبدادي آخر يسرق هذا الحراك، ويعيد إنتاج نفس الممارسات التي ثار عليها الجزائريون؟، كيف لايستفيد أي تيار أيديولوجي معين منه على حساب الآخرين،  فيحول الدولة إلى دولة لأيديولوجية معينة أو طبقة أو فئة؟، كيف يستفيد الجزائريون إجتماعيا وإقتصاديا من هذا الحراك؟

   نعتقد أن نجاح الحراك والحفاظ على تماسكه اليوم يشترط تجاوز السجالات الأيديولوجية والهوياتية، وكذلك تجنب الإستغلال الحزبي والنقابي له كما حدث لمسيرات الأساتذة في بعض الجامعات في05مارس التي أجهضها محاولة تنظيم نقابي إستغلالها، لكن الشرط الأساسي للنجاح هو عدم إستيلاء نفس العناصر التي كانت مع النظام الحالي على هذا الحراك، وقد بدأت ملامحه من خلال قفز البعض من الباخرة ومحاولة الإنضمام إليه وركوب موجته، فقراءة هؤلاء مبنية على شعورهم بأن تكتل من النظام هي وراء هذا الحراك، وهو بصدد القضاء كليا على تكتل الرئيس المتمثل في المحيطين ببوتفليقة. فلنفترض كما يقول البعض أن هذا الحراك هو نتاج لصراع تكتلات داخل النظام، لكن فلنضع في الحسبان أن أغلب الثورات بدأت كنتيجة لصراع تكتلات داخل النظام، ثم تأتي قوى وطبقات أخرى، فتحولها لصالحها، فهذا ما وقع مثلا مع الثورة الفرنسية في 1789 عندما نشب صراع بين النبلاء وعائلة البوربون المالكة، لكن أستغلت الطبقة البرجوازية المهمشة ذلك، وجرت وراءها طبقة  العامة، فحولت مجرى الأحداث التي أندلعت لصالحها، مما أدى إلى نشأة نظام جديد تماما في فرنسا، ونفس الشيء في روسيا في 1917 عندما تمكن البلاشفة من تحويل الصراع بين عائلة القياصرة رومانوف والبرجوازية الممثلة في حكومة كيرنسكي لصالح ثورة شيوعية، فهناك العديد من الأمثلة في التاريخ، فهل سيتمكن الجزائريون من تحويل هذا الصراع بين تكتلات النظام لصالح الطبقات الأكثر حرمانا في المجتمع، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟.

   قلنا في حوارنا مع يومية الخبر عدد(05مارس2019) حول هذه المسيرات الشعبية بأن الجزائر ستتجه إلى نظام مبني على سلطة المجتمع، ولعل الكثير لم يفهم ما قصدته بذلك، فهو في الحقيقة إعادة لفكرتي ونظريتي في دولة يكون التمثيل في البرلمان مبني على شرائح إجتماعية، وليس كما هو معمول به اليوم، والذي هو نتاج تطبيق تقني خاطيء في نظرنا للمبدأ الذي وضعه روسو “سيادة الأمة”، وذلك بالإنتخاب على ممثلين لهم في الهيئة التشريعية على أساس دوائر إنتخابية كالولايات أو الدوائر، وهو ما أدى فيما بعد إلى عدم تمثيل العديد من شرائح المجتمع، بل أصبح نظاما يخدم الطبقة البرجوازية على حساب المحرومين، وهو ما يفسر ظهور بوادر وصول هذه الديمقراطية إلى مأزق، خاصة في فرنسا مع السترات الصفراء، وهو ما يفسر أيضا فشل الثورة التونسية اليوم نسبيا على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي، لأن توزيع الثروة يتم على حساب الطبقات المرحومة، مما جعل بعض التونسيين يتحسرون على عهد بن علي لدرجة الإنتخاب على باجي قايد السبسي، وهو ما يجب تجنبه مستقبلا في الجزائر، ولهذا فعلى هذا الحراك المطالبة بالسلطة الكاملة لكل الشرائح الإجتماعية دون أي إستثناء، فتتحول الدولة إلى خدمتها كلها بدل خدمة مجموعة أو فئة أو أوليغارشية مالية، وهذا لن يتم إلا بنظام سياسي بديل ديمقراطي وإجتماعي يجمع بين الحريات الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، وقد طرحنا أسسه وميكانيزماته وآلياته في العديد من كتبنا ومقالاتنا ودراساتنا، ونذكر من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر “ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي” وكذلك “النظام البديل للإستبداد”.

    يعد إعادة النظر في طريقة التمثيل البرلماني أحد أسس هذا النظام البديل، فيصبح التمثيل في البرلمان على أساس شرائح المجتمع وفئاته كلها بدل التمثيل المبني على أساس دوائر إنتخابية يمكن أن تكون الكثير من شرائح المجتمع غير ممثلة في البرلمان، ويمكن مثلا أن تسيطر عليه فئات فقط دون أخرى التي لاتجد من يدافع عن مصالحها، ويطرح إنشغالاتها، فيجب على كل شرائح وفئات المجتمع بما فيهم البطالين ورجال المال وغيرهم أن ينتخبو ممثلين لهم في البرلمان، وذلك بإعتماد كل شريحة إجتماعية كدائرة إنتخابية، ويكون عدد ممثليها في البرلمان حسب العدد المنتمي إلى هذه الشريحة

   لكن هذا غير كاف إلا إذا أمتلكت كل ممثلي شريحة أو فئة إجتماعية حق الفيتو في كل مشروع قانون يخصها، ويمكن أن تتفاوض مع السلطة التنفيذية في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون بمصالح عدة شرائح وفئات إجتماعية، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينهم لحفظ مصالح الجميع، وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الإجتماعية التي تشل الحركة الإقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان، لكن هذا لايكفي لتحقيق مصالح كل شريحة إلا إذا بقيت مصالح ممثليها في البرلمان مرتبطة إرتباطا وثيقا بمصالح شريحتهم الإجتماعية، مما يجعل كل ممثل أو نائب برلماني الذي يعمل من أجل مصلحته الإجتماعية، سيحقق بوعي أو دون وعي منه مصلحة الشريحة الإجتماعية التي يمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الإمتيازات لهؤلاء الممثلين والنواب بحكم تواجدهم بالبرلمان بإستثناء الحصانة التي تكفل له حرية النقد والتعبير والممارسة.
ولكن لمواجهة خطر شراء هؤلاء النواب الممثلين للشرائح الإجتماعية من أصحاب المال أو من السلطة التنفيذية يجب تفعيل ميكانيزمات عملية مبدأ “من أين لك هذا؟” ويطبق على الجميع، لكن كيف يستطيع هذا الحراك الشعبي الوصول إلى ذلك؟.

         طرحنا أيضا في حوارنا مع يومية الخبر عدد(05مارس2019) فكرة إنشاء جبهة وطنية شعبية واسعة وقلنا ” ستحتاج هذه المسيرات إلى تنظيم شعبي لتكون أكثر فعالية، فيمكن أن تنتظم في لجان شعبية أو جبهة وطنية واسعة تضم الشعب بكل أطيافه وحساسياته وطبقاته، وستكون شبيهة بالآفالان التاريخي في1954، لكن تعمل سلميا، وأي إنحراف عن السلمية ستكون كارثة على الجزائر، ويمكن أن تتحول هذه الجبهة المنتشرة في كل المواقع إلى وسيلة لإفراز نخب وقيادات جديدة، وستضع نظاما محكما لقطع الطريق على الإنتهازيين الذين أفسدوا التجربة الحزبية منذ1988، أي جبهة بتنظيم محكم وبتسيير ديمقراطي فعلي تعطي صورة لآليات النظام التي يريده الشعب، ومن المرجح أن يكون الإنخراط  فيها على أساس فردي، وليس حزبي، أي  مثل أفالان 1954،…، وستكون مهمة هذه الجبهة الوطنية الواسعة تنظيم الشعب وتغيير موازين القوى لصالح التغيير بضغط سلمي على السلطة، وستكون الممثل الوحيد في التفاوض مع السلطة بهدف خلق آليات التغيير وبمشروع لبناء جزائر الغد في كل المجالات، ووضع آليات عمل النظام الجديدة التي ستكون آليات ديمقراطية ومرتبطة بالعدالة الإجتماعية، ستتفاوض هذه الجبهة مع السلطة من موقع قوة وبشرعية شعبية وبمشروع كامل وواضح حول تنظيم آليات النظام الجديدة، وأيضا حول كيفيات الإنتقال إليها دون عنف أو مساس بمصالح أي كان، وسينتهي دور هذه الجبهة مباشرة بعد نجاح عملية الإنتقال الديمقراطي والتوصل إلى دستور توافقي بالتفاوض بين كل الأطراف داخل هذه الجبهة ذاتها التي تضم كل مكونات المجتمع قبل عرضه للإستفتاء الشعبي، ومن المرجح تغليب المسائل التنظيمية للسلطات والدولة على المسائل الأيديولوجية في هذا الدستور، أي شبيه بالدستور الأمريكي، وينتهي دور هذه الجبهة، ونعود للتعددية بكل أشكالها والحياة السياسية حسب الآليات الجديدة لنظام والمتفق عليها.”

   لكن ما لم أتمكن توضيحه في هذا الحوار هو أن هذه الجبهة الواسعة يجب أن تنتظم على شكل شرائح إجتماعية بداخلها، فتفرز كل شريحة إجتماعية قياداتها وممثليها في المستويات المحلية والوطنية، ويمكن تشكيل من خلال ممثلين لها نوع من مجلس تأسيسي بداخل الجبهة، ويتم التفاوض فيما بينهم حول تحقيق كل ما أوردناه من قبل حول إنتقال ديمقراطي وإجتماعي سلمي وسلس، فالهدف من ذلك هو تجاوز الصراعات الأيديولوجية التي بإمكانها أن تقبر هذا الحراك سواء في بداياته أو في حالة إنتصاره، لأن كل ثورة شعبية تخفي صراعاتها الأيديولوجية، لكن تظهر بقوة بعد الإنتصار، ويمكن أن يسيطر تيار أيديولوجي على الدولة كما وقع مع الثورة الإيرانية مثلا في 1979، فنعود مرة اخرى إلى نقطة البداية، وكأننا لم نفعل شيئا، خاصة أن اليوم يجب تجاوز ذلك والعودة إلى الهدف الأساسي للعمل السياسي وهو تحقيق العدالة الإجتماعية وشعور  كل مواطن بمكانته السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية في الدولة، وما يشجعنا على ذلك هو أن الحراك الجزائري الذي يغلب عليه شباب تجاوزوا الإنغلاقات والدوغماتيات الأيديولوجية، فهم يبحثون عن الحريات و حياة الرفاهية، وهذا يتم بتركيز العمل السياسي على هذه الجوانب.

متعلقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق