أعمدة الرأي

كيف، متى،  و لماذا يتدخل الجيش في السياسة ؟

 تهتم نظرية العلاقات المدنية-العسكرية بدراسة علاقة المؤسسة العسكرية بالمؤسسات السياسية للدولة و كذا دراسة أدوار المؤسسة العسكرية في الساحة السياسية كشكل من أشكال علاقتها بالمؤسسات المدنية، وذلك من خلال البحث في الأسباب المفسرة للدور السياسي للجيش وكذا نتائجه.

  أدى انتشار التدخل العسكري في الحياة السياسية في دول العالم الثالث إلى دفع العلماء والباحثين في العلوم الاجتماعية إلى دراسة الدور ما فوق-العسكري للجيش  وتحليل الظاهرة العسكرية التي تجاوز تأثيرها البيئة المحلية والإقليمية.

و مع نهاية الثمانينات شهدت الساحة السياسية الدولية ثلاث أحداث تاريخية كبرى غيرت مجرى الأمور هي: الموجه الديمقراطية الثالثة، انهيار المعسكر الشرقي، نهاية الحرب الباردة ،هذه الأحداث المترابطة غيرت جذريا السياسة الداخلية لدول كثيرة،مما جعل مسألة العلاقة بين السلطة السياسية والجيش تعود للواجهة مجددا.

وقد نتج عن تزايد الاهتمام العلمي بالظاهرة العسكرية توظيف الانقسام الإيديولوجي في تفسير التدخل العسكري في الشئون السياسية، وتراوحت الأطروحات بين من يبررها ويريد توظيفها في تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية معينة, وبين من يرفضها نظرا لتعارضها مع مصالح اقتصادية وسياسية أخرى.

لماذا يتدخل الجيش في السياسة ؟

  يرفض علم الاجتماع العسكري فكرة التدخل العشوائي للمؤسسة العسكرية في شؤون المجتمع، فهو يحاول ربطها دائما بالظواهر الاجتماعية الأخرى حتى يمكنه تفسيرها.

يختلف تدخل القوات المسلحة في الشأن العام تبعا لعدة عوامل منها تصور الضباط للأوضاع السائدة في المجتمع ودرجة إدراكهم للتهديد الخارجي والداخلي الذي يتعرضون له، وكذا درجة ثقتهم في السياسيين، إلا أنه من الصعب أن يتحقق الضبط المدني-السياسي فوق القوات المسلحة في الدول حديثة النمو لعدم اندماج معيار الضبط المدني في الأخلاقيات العسكرية ومنه فإن المؤسسة العسكرية تعمل على ممارسة دور فعال في الشأن السياسي خاصة إذا تهددت مصالحها.

لقد أجريت الكثير من الدراسات والبحوث عن المؤسسة العسكرية في العالم الثالث والدور السياسي العسكري أو النزعة العسكرية على وجه الخصوص فإنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق حول خصائص هذه الظاهرة أو العوامل الدافعة التي حدوثها.

أولا: العوامل الخاصة بالمؤسسة للعسكرية:

وهي العوامل والمميزات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية كتنظيم، هذه العوامل تدفعها للتدخل في الشأن العام، حيث إن احتكار القوات المسلحة شبه الكامل لمصادر وأدوات العنف القسري يعطيها قوة ضخمة كمنافس في العملية السياسية.

1- مهمة القوات المسلحة: وهي تقنية أساسا وتتمثل في حماية الدولة، وقد يحدث أن توكل لها مهمة حفظ الأمن والنظام العام في الداخل مما يزيد من تدخلها في الشأن السياسي خاصة عندما تتلقى الأوامر باستخدام العنف ضد المعارضة.

2- السمات التنظيمية: وهي إجمالا:

أ- التماسك الداخلي: وهو ما يمكن مجموعة صغيرة من الجيش من جر الجيش كله للعمل السياسي، وكلما زاد التماسك السياسي زاد التدخل العسكري في الشأن العام.

ب- الذاتية:  تزداد احتمالات التدخل العسكري كلما كان هناك ما يؤثر على استقلالية المؤسسة العسكرية وصنع قرارها لنفسها بنفسها، أو الخوف من فقدان امتيازاتها مثل: خفض ميزانية الدفاع أو عدم تحديث العتاد، أو إنشاء ميليشيات عسكرية.

ج- الاختلاف الهيكلي والتخصص الوظيفي:  حيث تقل احتمالات التدخل العسكري بتزايد التخصص الوظيفي والاختلاف الهيكلي بداخل القوات المسلحة ، إذ يكون لكل سلاح منظوره الخاص.

د- الوعي السياسي: إن التدخل العسكري يعني أن المؤسسة العسكرية تنصب نفسها عن طريق كبار الضباط أعلى سلطة في الدولة، حيث تزداد احتمالات التدخل العسكري كلما توسع محتوى تعليم الضباط ليشمل القضايا السياسية.

يرجع “موريس جانويتز” وهو أحد الآباء المؤسسين لنظرية العلاقات المدينة- العسكرية، الظاهرة إلى خصائص أخرى عند العسكريين هي:

1- التشبع بالروح العسكرية.

2- الكفاءة والجمع بين القدرة القتالية و المهارة الإدارية.

3- الوحدة الداخلية والانضباط العسكري

كما ربط بين الطموح السياسي للعسكريين وبين أصولهم وخلفياتهم الاجتماعية وكذا درجة التعليم وموقفهم من طبيعة العلاقات بين الجيش والحكومة.

أما “كلود ويلش” فيرجع التدخل العسكري في الشأن العام إلى وجود مشاكل تخص العسكريين أنفسهم مثل:

انخفاض مستوى المعيشة، والرعاية الاجتماعية وانخفاض المرتبات، وتفشي المحاباة في نظام الترقيات التي قد تتم وفقاً لعلاقات القرابة والولاء السياسي، أو الإحساس بالإهانة من خلال أية إجراءات حكومية تمس القوات المسلحة، أو بفعل هزيمة  عسكرية  يرى العسكريون أن الحكومة المدنية هي المسئولة عنها أو المتسببة في حدوثها، وقد يحدث التدخل العسكري المباشر (الانقلاب)، إذا ما شعر بعض العسكريين بخطر يتهددهم ويكون مصدره سيطرة فئة معينة من الضباط على الحكم بالتحالف مع مجموعة أو فئة مدنية .

ويؤكد أندرو ويبستر” على أهمية العامل الذاتي للمؤسسة العسكرية مبررا رأيه بعدة نقاط أهمها: الهيكل التنظيمي للجيش الذي يمنحه القوة التنظيمية اللازمة ليتسلم الحكم بسرعة وبطريقة منظمة، إضافة إلى امتلاكه للقوة الجبرية التي تدعم تحركاته خاصة في السيطرة على العاصمة في حالة الانقلاب العسكري.

ثانيا: العوامل المحيطة بالمؤسسة العسكرية:

     رغم أهمية العامل الذاتي للمؤسسة العسكرية إلا أنه ليس متغيرا مستقلا يفوق العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالجيش، هذا الأخير ليس كيانا منعزلا عن المجتمع بل هو جزء منه، يعيش فيه ويعمل في إطاره ويتفاعل معه سلبا وإيجابا.

   إن البيئة الاجتماعية بكل تناقضاتها هي المصدر الأوحد الذي يمد الجيش بالموارد البشرية مما يجعل لها تأثير على اتجاهات العسكريين إزاء مختلف القضايا الاجتماعية، فالتقسيمات الطبقية والإقليمية والثقافية ينتج عنها تصدع في شرعية الحكومة وعدم قدرتها على التوفيق بين مختلف الاتجاهات في المجتمع، مما يزيد من احتمالات التدخل العسكري في الشأن السياسي.

  ترتبط الانقلابات العسكرية كأقصى أدوات التدخل العسكري في الشؤون العامة بحداثة التجربة السياسية المرتبطة هي بدورها بحالة التخلف العام للبلد المعني.

   قام كل من فوسم و نيدلر  بدراسة العلاقة بين الأزمات الاقتصادية والتدخل العسكري، حيث كلما كان هناك انتعاش اقتصادي تنقص احتمالات التدخل العسكري والعكس صحيح.

  بالنسبة للعوامل السياسية نجد أن “موريس جانويتز” يبرر التدخل السياسي للجيش بالظروف السياسية التي نشأ في ظلها، حيث يرى أن التشكيلات العسكرية التي نشأت أثناء الكفاح المسلح ، من أجل التحرير الوطني ، قد تدخلت في الحياة السياسية بصورة واسعة.

   وهنالك من ربط التدخل العسكري في الشئون السياسية بالبيئة السياسية وصراع ” القوى الاجتماعية ” والسياسية المختلفة على السلطة، وذلك ناتج عن ظاهرة التسييس العام للقوى الاجتماعية بسبب غياب المؤسسات السياسية الدستورية الوسيطة التي تقنن التنافس على السلطة، حيث تعبر القوى الاجتماعية المختلفة عن مواقفها من الحكم بطرق مختلفة، فيتظاهر الطلاب، ويضرب العمال، أما العسكريون فإن الانقلاب العسكري هو الوسيلة التي تمكنهم من السيطرة والنفوذ، لا بصفتهم المؤسسية ولكن باعتبارهم أحدى القوى التي تعكس البنيان السياسي للمجتمع.

     من جهته يرى المفكر عزمي بشارة أنه “لا يوجد جيش في العالم بعيد عن السياسة بحكم تعريفه؛ فالجيش يتعامل يوميًا مع شؤون الحرب والدفاع، وقضايا أخرى يطلق عليها تسمية “الأمن”؛ مؤكدا صعوبة التوصل إلى نظرية وقانون يضبط علاقة الجيش بالسياسة، مشيرا إلى وجود عدد من الخصائص المشتركة قد لا تصل بالضرورة إلى درجة القانون، أو النظرية الكاملة الأركان، وهي:

  • الجيش يعتبر وسيلة للترقي الاجتماعي الاقتصادي في المجتمعات الفلاحية”.
  • “أخوية رفاق السلاح الرجولية” وهي رابطة تشبه أخويات الطلبة في الكليات الجامعية في الماضي تتحول إلى نوع من الولاء الشخصي للجماعة أو رفاق السلاح أو “جماعة أبناء الدفعة”.
  • الصراعات الحزبية والأيديولوجية داخل الجيش وداخل المجموعة الانقلابية التي عادةً تتسبب في تفكيك كتلة الضباط.
  • علاقة الجيوش العربية بالحكم مرتبطة بالرهانات الدولية على دوره في السياسة.
  • “لا يقوم الضباط بانقلاب من أجل أن يحكم آخرون”.

    وعن علاقة التدخل العسكري في الشأن السياسي بالحراك الاجتماعي يستنتج روبرت بوتمان وجود علاقة وطيدة، حيث كلما زاد الحراك الاجتماعي كلما زادت القيود على احتمالات تدخل العسكر في السياسة.

    ويقصد بوتمان بالحراك الاجتماعي عدة نقاط هي:

مستوى التحضر، مستوى انتشار التعليم وانعدام الأمية.

       كما أن شرعية أو عدم شرعية النظام السياسي القائم من أهم أسباب التدخل العسكري، حيث قليلا ما يحدث تدخل عسكري في ظل حكومة تتمتع بدرجة عالية من الشرعية.

     يقدم” صامويل فاينر”  مفهوم الثقافة السياسية، ويوضح به العلاقة بين الشرعية والدور السياسي للجيش وفق أربعة أنواع هي:

1- دولة فيها ثقافة سياسية محدودة: يستطيع فيها الجيش الضغط على الحكومة وإزاحتها ثم البقاء في السلطة لفترة غير محدودة.

2- دولة فيها ثقافة سياسية ضعيفة: يكون فيها دور معتبر للشرعية حيث يجب تبرير التدخل العسكري.

3- دولة تتميز بثقافة سياسية نامية: تكون هناك إجراءات مقبولة لتغيير السلطة السياسية ونادرا ما تتم الإطاحة بالحكومة سواء عن طريق التدخل العسكري المباشر أو بالتحالف المدني العسكري.

4- دولة تتميز بثقافة سياسية عالية: تتمتع فيها الحكومة بدرجة شرعية عالية جدا، تمنع التدخل العسكري.

    أما الباحث الجزائري “مولود حمروش” في دراسته للظاهرة العسكرية في إفريقيا فيحدد عدة عوامل للتدخل العسكري، أهمها:

1-ضعف البنى الاجتماعية والسياسية بسبب التنوع العرقي والصراعات الجهوية، والتدخلات الخارجية في هذه الصراعات: ضعف المجتمعات يكمن في تفككها وعدم استقرارها لانعدام الارتباطية الاجتماعية الصلبة التي تصمد أمام الأزمات السياسية والعرقية والاقتصادية.

2- غياب أطر وقنوات للمشاركة السياسية.

3- استخدام الجيش ضد معارضي الحكومة للدفاع عن مصالح الحكام:  بأن تطلب الحكومة من الجيش التدخل للقضاء على المعارضة، كما حدث في سيراليون عندما طلب رئيس الدولة السيد “مارقي” من الجنرال “لانزانا” أن يتدخل لمنع السيد استيفنس زعيم المعارضة من استلام السلطة.

      إجمالا يمكن تحديد العوامل البيئية المختلفة التي تدفع الجيش إلى التدخل في الشؤون العامة في النقاط التالية:

  • ضعف البنى والمؤسسات المدنية نظرا لحداثة التجربة السياسية وضعف الثقافة السياسية.

2- ضعف التماسك الاجتماعي و انتشار الانقسام الطبقي: بما يضعف من قوة اللحمة الاجتماعية.

3- انتشار الفساد، مما يخلق حالة من السخط العام يستغلها العسكريون للتدخل في السياسة.

4- الأزمات الاقتصادية الحادة، وما ينتج عنها من اضطرابات اجتماعية تدفع الجيش للتدخل بحجة حماية النظام العام.

5- الهزائم العسكرية ومشاكل الحدود، حيث يتهم الجيش القيادة السياسية بالتسبب فيها كما حدث مع هزيمة حرب فلسطين1948 كانت سببا مباشرا لحركة الضباط الأحرار في مصر في جويلية 1952.

7- المحاكاة والتأثر بتجارب انقلابية أخرى، حسب نظرية الدومينوا.

8- الإحساس بالتفوق الناتج عن القوة والقدرة القتالية المفرطة للجيش، مما يجعله المؤهل الوحيد لحسم الصراعات السياسية .

9- المحافظة على النظام السياسي باستبدال نخبة بأخرى من نفس الطبقة، بمعنى احتكار السلطة وقمع الدوران النخبوي .

    وفي هذا الصدد ينبغي التذكير أنه في الدول الأفريقية ” البريتورية” شكل التدخل العسكري معطى سياسي أساسي، ففي الفترة من 1960 إلى بداية التسعينات وقعت أكثر 70 محاولة انقلابية انتحت نظما سياسية و أوصلت قادة عسكريين للحكم.

ثالثا: نماذج التدخل العسكري في السياسة:

تتخذ الحكومات العسكرية عند التطبيق أشكالا عديدة ومختلفة تتحدد وفقا لطبيعة العلاقات المدنية-العسكرية ، التي تتفاوت درجاتها تبعا لتفاوت درجات التدخل العسكري في السياسة.

التدخل العسكري يشير إلى حالات وأنماط تجاوز المؤسسة العسكرية لأدوارها التقليدية والدستورية للتدخل في الشؤون السياسية بصورة مؤقتة أو دائمة.

يقدم لنا “نورد لينغر” تصنيف قائما على ثلاثة نماذج للتدخل العسكري هي:

1- النظام المعتدل:

      في هذا النظام يمارس الجيش عن طريق كبار الضباط معارضة عالية على القرارات السياسية دون أن يمارسوا الضبط على الحكومة، فالمدنيون يحكمون لكن العسكريين يراجعونهم، حيث لا تقبل المؤسسة العسكرية الضبط الحكومي الكلي عليها.

    يتميز هذا النوع بأنه ذو طبيعة سياسية عالية ويشكل الضباط فيه جماعة ضغط قوية على الحكومة، حيث يسقطونها ويحلون أخرى محلها تكون مقبولة لديهم ويعملون دائما على  أن يبقى الوضع على ما هو عليه للحفاظ على توازنات القوة بين الجماعات المتنافسة ويحطمون أي محاولة لإحداث أي تغيير في توزيع العوائد الاقتصادية.

   ومنه فإن هذا النموذج وفق الرؤية السابقة يتسم بسمات أساسية هي:

  • قبول النظام الاجتماعي القائم ، ومقاومة أية محاولة لإحداث تغييرات جوهرية في نظام الحكم أو بنية السلطة التنفيذية ذلك أن دورهم يقوم على أساس أيديولوجي مضاد للتغيير الثوري .
  • يتميز ضباط هذا الأنموذج بأنهم مدنيو التوجه، لأن من اختصاصهم حماية الحكومة الدستورية، والحفاظ عليها.
  • ليس لضباط هذا الأنموذج تنظيم سياسي مستقل، كما أنهم لا يبذلون جهودا للوصول بحكم الجيش إلى أقصى حد.
  • في هذا النوع يحدد الجيش زمنا محددا لإعادة السلطة إلى نظام مدني مقبول، ذلك أنه يرى أن الحكم العسكري الممتد مفسد للجيش، ولذلك فإنه يشجع الجماعات القادرة دوما على تأسيس نظام مستقر يضمن عدم سقوط الحكومة المدنية.
  • هذا النوع الضباط يعملون من خلف الكواليس ، كجماعات ضغط ، في اتجاه تحقيق المطالب ، وبذلك يكون التدخل الصريح غير ضروري .
  • هذا النوع من الضباط يحسبون حساب الجزاء المدني ( عزل ، تنزيل رتب، حرمان من المناصب العليا ) ولذلك فإنهم يعملون قبل انسحابهم من السلطة على ضمان عدم تكرار العنف السياسي ، والحصول على ضمانات من السياسيين فيما يتصل بأية عقوبات قد تنالهم.

خلاصة هذا النوع أنه محافظ ولا يمارس الحكم بنفسه لأنه يرى أن الضبط المباشر غير ضروري بالنسبة لأهدافه لكنه يتحول مع الوقت إلى نظام حارس.

2- النظام الحارس:

       هذا النموذج لا يختلف عن سابقه إلا في اقتناع قادته بأن أهدافهم لا تتحقق إلا إذا أمسكوا بزمام الأمور وانه لا بديل غيرهم للقيام بذلك.

     في هذا النوع يتدخل العسكريون لتفادي الأزمات، وينظرون لأنفسهم باعتبارهم أصحاب مهمة سامية.

  من جهته قسم لوكمان هذا النموذج إلى أربعة أنواع هي:

    أ- النظام الحارس المباشر: تضطلع فيه المؤسسة العسكرية بالحكم مباشرة ولفترة طويلة، وترى نفسها أنها الحارس الوحيد على قيم المجتمع وعلى الاستقرار السياسي، مثال: تركيا في عهد أتاتورك.

  ب- النظام الحارس البديل:  يترك فيه الضباط السلطة بعد فترة قصيرة وينسحبون لحماية تماسكهم الداخلي من الضغط السياسي، مثال: السودان عام 1964.

ج- النظام الحارس المستتر: لا ترغب فيه المؤسسة العسكرية أن تحكم بنفسها لكنها تتدخل لضمان وجود من يتفقون معها في الأهداف والأفكار والتصورات السياسية والاجتماعية.

د- النظام الحارس المهيمن:  وهو أكثر النظم انتشارا، وتعمل فيه المؤسسة العسكرية على تأييد نظام سياسي قادر على تحقيق المصلحة الوطنية وتمده بالتأييد.

3- النظام الحاكم:

     تكمن أهمية هذا النظام في الطموح السياسي والاقتصادي لضباطه، حيث يستولون على السلطة ويحركون مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويوصف هؤلاء الضباط بأنهم راديكاليون وثوريون ويعلنون أنهم سيحكمون لفترة غير محدودة.

هذا النظام يجسد الموقف الرافض لتحييد العسكريين عن السياسة، حيث كان ” لينين” يرفض تحييد القوات المسلحة، لأن ذلك يخدم البورجوازية.

يعمل هذا النظام على إحداث تغييرات أساسية في البلاد بإبعاد كل مراكز القوى الموجودة وحل الأحزاب السياسية أو تقييدها، كما يهدف لإحداث تغييرات اقتصادية ينتج عنها تحسين ملحوظ في المستوى المعيشي للطبقات الفقيرة وكذا توسيع برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والخدمات التعليمية.

يتسم هذا النموذج كما يرى ” بيرلموتر ” بما يلي:

  • يرفض النظام القائم ويتحدى شرعيته .
  • لا يثق بالحكم المدني، وليس لديه إرادة للعودة إلى الثكنات.
  • يمتلك تنظيما سياسيا، ويريد أن يصل بحكم الجيش إلى أقصى حد.
  • مقتنع بأن حكم الجيش هو البديل الوحيد للفوضى السياسية.
  • يضفي على الاحترافية صبغة سياسية .
  • يعمل علانية وليس من خلف الكواليس.

إن أهداف العسكريين ” الحكام ” طموحة لدرجة أنهم يصفون أنفسهم بـ  ” الثوار ”  أما بالنسبة للتغييرات التي يطمحون إليها فإنها تحتاج لكي تتأصل إلى الوقت الكافي ، مما يعني سيادة واستمرار الحكم العسكري لفترة غير محددة، فبينما يعد العسكريون الحراس – وفق نموذج “نورد لينغر” – أو الوسطاء – وفق أنموذج” بيرلموتر” – بإعادة الحكم إلى المدنيين خلال سنوات قليلة ، فإن العسكريين ” الحكام ” لا يحددون موعدا لتسليم السلطة للمدنيين.

ومن السمات البارزة ” للحكام “وفق هذه النوع  من النظم العسكرية أن المضمون الأيديولوجي لحكمهم غير معروف لهم ، حتى ينهوا تصفية ركائز النظام السياسي الذي أطاحوا به ، ذلك أن الاختيار الأيديولوجي بالنسبة لهم يعتمد كما يرى “بيرلموتر” على ماهية الوسائل التي يتخذها العسكريون لتحويل طبيعة المجتمع، مثلا استغرق عبد الناصر مدة من الزمن لكي يختار الاشتراكية والقومية.

ضباط هذا النوع يسعون أولا إلى أحداث تغييرات في توزيع السلطة من خلال استبعاد كل مراكز القوى الموجودة  ومن ثم العمل على إنشاء التنظيم السياسي الخاص بهم عبر خلق أحزاب جماهيرية تصبح هي الإطار الوحيد للعمل السياسي في المجتمع،  يعتبر هذا النظام أكثر تسلطا ويستخدم القوة للسيطرة وللبقاء.

أما النماذج التي حددها ” عاموس بيرلموتر ” كمثال للحكم العسكري نذكر منها نظام كل من : عبد الكريم قاسم في العراق من 58-1963 ، وجمال عبد الناصر في مصر 52-1970، “هواري بومدين” في الجزائر من 65-1978 ،ومعظم النظم العراقية والسورية منذ 1963 ، والجنرال أبوب خان في باكستان 58-1970، ونظام العقيد معمر القذافي 1969-2011 في ليبيا.

4- نموذج الرقيب صاحب قوة الاعتراض(VETO):

ينتشر هذا النوع حيث يغيب الاستقرار السياسي ويصبح دور العسكريين دور المحافظة على النظام القائم، ويحدث ذلك خاصة في حالة اتساع المشاركة السياسية في مجتمع لا يتوفر على المؤسسات الكفيلة باستيعاب الأعداد المتزايدة من الجماهير الراغبة في المشاركة في العمل السياسي ، في هذه الحالة يقوم العسكريون بفتح مجال العمل السياسي أمام الطبقات الوسطى مع تحييد وإبعاد الطبقات الدنيا ، ويلجأ العسكريون إلى هذا النوع في الحالات التالية:

  • في حالة فوز أو توقع فوز حزب سياسي ما في انتخابات لا ينال رضا المؤسسة العسكرية.
  • في حالة انتهاج السلطة السياسية لسياسات راديكالية، أو حاولت استقطاب قوى سياسية راديكالية لا تتفق معها المؤسسة العسكرية.

5- تصنيفات أخرى:

بالمقابل نجد أن ” بيرلموتر” قد اكتفى بتصنيفهم إلى نموذجين فقط هما :

  • النموذج الوسيط (الحكم)
  • النموذج الحاكم

وقد جمع ” بيرلموتر ” في نموذجه الوسيط خصائص النموذجين الأول والثاني عند ” نورد لينغر ” فليس هناك اختلافات أساسية بين خصائص النموذجين ، ذلك أن كلاهما يكرس لهدف واحد هو” حفظ النظام ، والحيلولة دون أي شكل من أشكال التغيير ، وقمع القوى الاجتماعية التي تتطلع إليه واستخدام كل الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، بما في ذلك الضغط على الحكومة المدنية  والتدخل المباشر وغير المباشر في الانتخابات المحلية والبرلمانية ،والتهديد بالانقلاب.

أما “موريس جانويتز” ، فإنه صنف القوات المسلحة إلى ثلاثة فئات :

الأولى : القوات المسلحة السابقة على الاستقلال ، والتي توفر لها بعض الضباط الوطنيين المدربين تدريباً حديثا في كليات ومعاهد الدولة المستعمرة مثل جيوش المستعمرات البريطانية في جنوب وجنوب شرق آسيا .

الثانية : القوات المسلحة التي ظهرت أثناء حروب التحرير ، وهي تشكل بعض جيوش العالم الثالث .

الثالثة : القوات المسلحة التي ظهرت بعد الاستقلال ، وبصفة خاصة في أفريقيا حيث أعاقت السلطات الاستعمارية بناء جيوش وطنية ، فكان ذلك محل اهتمام السلطات الوطنية بعد الاستقلال .

ويرى ” جانويتز” أن التشكيلات العسكرية التي نشأت أثناء حروب التحرير الوطني ، قد تدخلت في الحياة السياسية بصورة واسعة ومؤثرة أما الجيوش التي أنشئت بعد الاستقلال فإنها لم تلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية ، بينما تقع الجيوش السابقة للاستقلال في موقع وسط بين الفئتين.

جاء في دراسة قام بها “صامويل فاينر” أربعة أنواع من نظم الحكم وفقا لطبيعة العلاقات المدنية- العسكرية:

  • نظم عسكرية مؤيدة:

وتشمل نظم مدنية تعتمد في استمراريتها على القوات المسلحة كمصدر للتأييد السياسي، مثل: المغرب والأردن.

  • نظم عسكرية مباشرة:

هذا النوع من النظم يشمل الحكومات المدنية التي وصلت إلى السلطة بفضل الدعم العسكري لها، حيث يتدخل العسكريون لصالح جماعات مدنية معينة، مثال: أمريكا اللاتينية في مرحلة سابقة.

  • نظم عسكرية صريحة:

وهي حكومات عسكرية صريحة وخالصة، تقوم بعد تدخل عسكري مباشر يستولي فيه الجيش على السلطة، مثال: سوريا والسودان.

محمد دخوش / طالب دكتوراه في العلوم السياسية وباحث في العلاقات المدنية-العسكرية

متعلقات

تعليق واحد

  1. بحث أكاديمي متخصص شامل لظاهرة تدخل المؤسسة العسكرية في نظام الحكم وهو مفيد جدا للمهتمين و المتابعين للشأن السياسي و العسكري و الأمني …لقد استفدت منه كثيرا .
    إنك باحث يستحق كل التشجيع من الجميع

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: