أعمدة الرأي

رئاسيات 2019 .. آفاق وتطورات ؟

   نلاحظ بعد دعوة الرئيس إلى إنتخابات رئاسية في 18 أبريل2019 عدة مظاهر تدل على ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة، وأهم هذه المظاهر هو الحوار المنسوب إليه الذي نشره مكتب النصح الإقتصادي “أكسفورد بيزنس غروب” يوم 23جانفي2019، أين يتحدث الرئيس عن إنجازاته الإقتصادية، وطرح حلولا لبعض النقائص والمصاعب، كما طرح بشكل عام مشروعا إقتصاديا لعام 2030، كما كان يتحدث جمال ولد عباس من قبل، ونعتقد بأن هذا الحوار هو منطلق وتمهيد لإعلان الترشح لعهدة خامسة، أما المظهر الآخر هو هذا الكم الهائل من عامة الناس التي أنتقلت إلى وزارة الداخلية لأخذ إستمارات التوقيع للترشيحات، يدخل هذا التصوير الكاريكاتوري في إطار عملية نفسية مدروسة بدقة تجعل الشعب يعمم تلك الصورة المزرية والمضحكة على كل المترشحين بإستثناء مرشحي السلطة، وهي ظاهرة تعودنا عليها في الجزائر منذ سنوات، مما جعل الكثير من الكفاءات التي تحترم نفسها، تخشى الولوج إلى العمل السياسي  خوفا من تعرضها للسخرية، لأن الشعب سيضعها في نفس موقع هذه الشخصيات الهزلية والكاركاتورية، وأصبح ينظر إلى الجميع دون أي تمييز بأنهم إنتهازيين يعملون من أجل مصالحهم الضيقة فقط، وهو أحد أسباب التصحر السياسي في البلاد.

   كما أعتمدت السلطة على إستراتيجية الغموض منذ شهور، وهدفها من ذلك شل المعارضة على التفكير الجدي في الإنتخابات وإمكانية إتفاقها على مرشح واحد، تكون مهمته تنفيذ ورقة طريق متفق عليها تستهدف القيام بعملية إنتقال ديمقراطي، وهو ما يمكن أن يجمع الطبقات الشعبية وراءه، ونشير أننا قد طرحنا هذه الفكرة منذ أكثر من سنة في مقالتنا “ما موقع المعارضة الجزائرية من رئاسيات2019؟”( الحوار المتمدنعدد08جانفي2018 ). قلقت السلطة كثيرا منذ نشأة تنسيقية الإنتقال الديمقراطي التي ضمت أحزاب متناقضة التوجه الأيديولوجي كحمس والأرسيدي مثلا، مما يفشل سياسات السلطة منذ 1962 المبنية على زرع وتوسيع الصراع بين معارضيها على أسس أيديولوجية بضرب هذا بذاك وإضعاف كل طرف بالآخر بمجرد ما يتقوى، لكن كسرت حركة مجتمع السلم هذه التنسيقية فيما بعد خدمة لمصالحها الضيقة، مما جعل أغلب الأطراف السياسية يفقدون الثقة في الحركة وفي كل ما تطرحه من مبادرات (أنظر في ذلك مقالتنا “الميلاد الميت لمبادرة حمس” في سبق برس عدد 30جويلية2018)، كما طرحت حركة مواطنة فكرة مرشح واحد أيضا، لكن لم تلق دعوتها آذانا صاغية، وتواصل السلطة اليوم نفس إستراتيجية الغموض حول ترشيح بوتفليقة من عدمه، وهدفها من ذلك هو السعي لجلب مرشحين من العيار الثقيل إلى الإنتخابات كي تعطي لها مصداقية أكثر، وتستغل السلطة في ذلك إعتقاد بعض الأطراف أنه بإمكانها إستغلال شرخ داخل النظام لإحداث المفاجأة، وهذا هو ما يروج له مقري منذ فترة، لكن لا نعرف إن كان مقري يجهل أنه رغم كل التناقضات والصراعات داخل النظام، إلا أنه يتكتل في حالة ما أحس بأي خطر عليه من خارجه.

  يجرنا ذلك للحديث عن مقري وحركة مجتمع السلم التي دخلت في نظرنا في لعبة مريبة لمساعدة بوتفليقة وعائلته بعد ما ألتقى مع أخ الرئيس السعيد بوتفليقة عدة مرات، حيث اعترف ضمنيا مؤخرا أن طرحه لفكرة تأجيل الرئاسيات كانت ب”إيعاز” من أخ ومستشار الرئيس كما ورد ضمنيا في وثيقته التي قدمها لأعضاء مجلس الشورى الوطني للحركة، وهو ما أشرنا إليه في حينه في حوار لنا مع يومية الخبر (عدد08ديسمبر2018) قبل أن يعترف بذلك مقري نفسه بعد أكثر من شهر من حوارنا.

  نعتقد أن مقري سيترشح لرئاسيات 2019 رغم علمه بفوز بوتفليقة، ويمهد لذلك بشكل متخبط وفاضح بالقول تارة أن بوتفليقة سيحمل في برنامجه كل نقاط الإصلاحات التي طرحتها الحركة من قبل، ومنها أفكار مبادرة التوافق الوطني، وهو ما يعني دعوة منه لدعم بوتفليقة مادام برنامجه الإنتخابي هو برنامج الحركة تقريبا، وتارة اخرى يقول بأنه سيستغل الشرخ الموجود داخل النظام الذي أشرنا إليه آنفا، فكل هذه المبررات التي يسوقها مقري تدخل في إطار صفقةبينه وبين أخ الرئيس ومستشاره الخاص هدفها عودة حمس إلى أحضان السلطة مرة أخرى بالمشاركة في الإنتخابات الرئاسية، وهو في الحقيقة تكرار لما قام به الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في 1995 بعد ما شارك في تلك الإنتخابات التي فتحت المجال لتولي حمس حقائب وزارية، ثم تشكيل تحالف رئاسي من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، خاصة أن مقري يتعرض لضغط من داخل حزبه للعودة إلى أحضان السلطة التي تعطي مكاسب مادية للكثير من قياداتها، ومن جهة أخرى تريد السلطة توظيف مقري للتغطية على رفعها لنسب المشاركة في الإنتخابات من جهة وتخويف الشعب أيضا من الإسلاميين كي يختاروا مرشح السلطة، وهي لعبة معروفة ومكشوفة بين السلطة والإسلاميين في الكثير من دول المنطقة، حيث يعيش كل طرف منهم بالآخر، كما يمكن أن تدفع مشاركة حمس في الحكومة إلى جلب قوى أخرى إلى نفس الموقف خوفا من إستفراد حمس بذلك، وهو ما سيساعد السلطة على جمع عدة أطراف متناقضة، كما حاول بوتفليقة دائما تحقيقه منذ 1999 بعد ما أشرك حمس والأرسيدي في السلطة، مما يضعف أكثر المعارضة.

   طبعا هذا لاينفي إمكانية عقد ندوة وفاق وطني بعد رئاسيات2019 تحت رعاية الرئيس بوتفليقة تستهدف تعديلا دستوريا لخلق منصب نائب رئيس تكون له نفس صلاحيات الرئيس تقريبا، والذي سيشعل صراعا حادا أيضا حول من يتولاه بين مختلف تكتلات النظامن كما ستركز الندوة أيضا على المجالات الإقتصادية والإجتماعية، ولاتخرج عن نطاق دعوة تبون في الصيف الماضي التي كانت تريد أخذ شرعية من المعارضة لإتخاذ إجراءات إجتماعية وإقتصادية قاسية جدا بسبب الوضع الإقتصادي الصعب الذي ستعرفه الجزائر بحكم تدني أسعار النفط، والتي تتطلب تضحيات على الصعيد الإجتماعي.

   أما الظاهرة الثالثة هو إعتقاد البعض بأن الجنرال علي غديري يمثل جناح داخل النظام، ولهذا تعرض لهجمات من نائب وزير الدفاع وقائد الأركان الفريق قايد صالح، ففي الحقيقة ليست هي المرة الأولى التي يترشح جنرال متقاعد ومعارض للسلطة إلى الرئاسيات في الجزائر، فمثلا في 2014 ترشح قائد قوات البحرية الأسبق محند الطاهر يعلى،لكن أنسحب فيما بعد، فحتى هو كتب عدة مقالات ضد بوتفليقة، ودعا إلى قطيعة مع النظام مثل علي لغديري، بل قيل أيضا أنه قريب من الجنرال محمد مدين مدير المخابرات آنذاك، فلنذكر المتتبع أن عشية وقوع الجلطة الدماغية للرئيس بوتفليقة شفاه الله، والتي يقال أن سببها إتهامات الفساد الموجهة لأخيه، والتي تحدثت عنها يومية الوطن عشية تلك الجلطة، وقيل أن المخابرات وراء ذلك، فإنه في نفس العدد من يومية الوطن نجد مقالة حادة جدا للجنرال محند الطاهر يعلى ضد بوتفليقة ونظامه، وهي أشد حدة بكثير من مقالات علي لغديري التي تبدو عادية جدا، لكن لم يتعرض الجنرال يعلى لهجمات من أي كان على عكس لغديري، ونعتقد بأن ذلك يعود إلى أن يعلى تقاعد من الجيش بعد تولي قايد صالح قيادة الأركان بشهور فقط، أي لم يعمل معه كثيرا على عكس لغديري الذي تقاعد في 2015، والذي كان يشغل منصب مدير المستخدمين في وزارة الدفاع، فمعناه تعامل كثيرا مع قايد صالح، ولايستبعد وجود إحتكاكات بينهما مثلما يحدث في كل المؤسسات، ويمكن أن يذهب آخرون إلى القول أنهقريب من الجنرال توفيق، خاصة أن موند أفريك أوردت منذ شهور تحركاته في أوروبا لمواجهة بوتفليقة، إلا أن لغديري كذب ذلك، ويرى آخرون أنه بإمكان الأوفياء للجنرال توفيق مساعدة لغديري بحكم نفوذهم الكبير في المؤسسات، وهو ما يفسر في نظرهم تهجم قايد صالح عليه، نعتقد أن الكثير من هذه التحليلات قد ذهبت بعيدا، وغفلت بأن للعلاقات الشخصية والعوامل النفسية دورا كبيرا في الكثير من المواقف السياسية.

   لكن ما أثار الإستغراب هو رفض البعض للجنرال علي لغديري بحكم أنه عسكري، ولهذا يرون أنه يستحيل في نظرهم أن يحدث مترشح ذو ماض عسكري القطيعة مع النظام، وينقل الجزائر إلى نظام ديمقراطي، هذا يدفعنا إلى تصحيح مسألة هامة جدا، فليس كل الذين هم في النظام سيئون، ويرفضون التغيير، فهذا الحكم غير صحيح إطلاقا، كما أعتقد بأن الإستبداد ليست خاصة بالعسكريين، كما زرع في ذهن الكثير، فمثلا دكتاتور البرتغال سالازار الذي حكمها بيد من حديد لأكثر من 40سنة لم يكن إلا أستاذا جامعيا، وقد أطاح به عسكريون في ثورة القرنفل1974 لينقلوا البرتغال إلى نظام ديمقراطي، وقام الجنرال سوار الذهب بنفس الشيء في السودان، فهناك العديد من الأمثلة المشابهة، فمن الخطأ الفادح إصدار الحكم في مسألة الإستبداد والديمقراطية حسب تصنيف عسكري ومدني، فالمستبدون والديمقراطيون موجودون في كلا الطرفين، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى نقاش أوسع.

 

متعلقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق