أعمدة الرأي

تكريس التخلف والتبعيات من سياسويي ومثقفي العصبيات

 

تولي ثقافات منطقتنا، ومنها الجزائر إهتماما كبيرا للبطولة والشجاعة ورموزها، خاصة العسكرية منها، كما تهتم بشكل أقل ببعض الرموز الثقافية، وهذا أمر محمود طبعا، لكن قلما نجد إهتماما بالإقتصاديين والمقاولين المنتجين وبرجالاتهم، كما تفعل الدول الصناعية كاليابان وأمريكا وأوروبا التي تطلق عليهم مصطلح “البناة الكبار”، فمثلا كلنا نسمع  في بلد كمصر عن رجال مثل محمد علي أو عبدالناصر أو سعد زغلول، لكن القليل جدا من يسمع مثلا بطلعت حرب، بالرغم من أن هذا الأخير قد لعب دورا كبيرا في تأسيس مصر الحديثة، فكما عمل زغلول ومصطفى كامل من أجل تحرير مصر من الإنتداب البريطاني بالنضالات السياسية، فإن طلعت حرب نظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فأعتبر أن التحرر يبدأ بالتحرر الإقتصادي، فأنشا بنك مصر الذي انبثق عنه عدة مؤسسات إقتصادية وثقافية وغيرها مثل مصر للطيران والسنيما والطرقات وغيرها، فعندما شعرت بريطانيا بخطر هذا الرجل عليها ضغطت على الحكومة المصرية في الثلاثينيات للتخلص منه والقضاء على مشاريعه، فمات حسرة في 1941 بعد ما أستسلم تحت ضغوط كبيرة، إلا أنه أصر على الحفاظ على بنك مصر كقاعدة لتمويل المشاريع مقابل تنازله عن كل شيء.

لعل الكثير لا يعلمون أن نفس فكرة طلعت حرب ظهرت في الجزائر في ثلاثينيات القرن العشرين على يد رجل من وادي ميزاب بغرداية لايعرف أبناؤنا عنه شيئا، وهو إبراهيم بن عيسى أبو اليقضان الذي أنشا عدة صحف لمقارعة الإستعمار ولإصلاح المجتمع، فكلما أنشأ صحيفة قضى عليها الإستعمار الفرنسي، وقد طرح أبواليقضان، وطالب وطرح عدة مرات بإصرار وإلحاح فكرة إنشاء بنك جزائري يساهم فيه الجزائريون كي يستقلوا عن الهيمنة الإستعمارية الإقتصادية التي كانت بنوكها لا تقرض الأموال للجزائريين، وتحاصرهم إقتصاديا، وكان يدعو للعمل من أجل بناء إقتصاد جزائري إنطلاقا من ذلك، أي إقتصاد يتحكم فيه الجزائريون ومستقل عن الإقتصاد الإستعماري الفرنسي، لكن لم تر فكرته النور آنذاك، ولم تناقش اصلا، ولعل لنقص النظر، لكن يعود ذلك في نظري إلى إنعدام الفعالية عندنا –حسب تعبير مفكرنا  مالك بن نبي- الذي دعا إلى ضرورة تحويل المسلم إلى إنسان فعال.

هذا ما يدفعنا إلى طرح ما أراه أنه أساسي في إي مشروع لتحقيق إستقلالية لأمتنا ودولتنا الجزائرية والقضاء على كل التبعيات، والذي يجب أن يبدأ من الإقتصاد، وقد وضحت ذلك بالتفصيل وبطرح آليات عملية في كتابناّ “النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-“، أين قلت أنه لا يمكن لدولتنا أن تتحرر فعلا إلا بفكها الإرتباط  بالرأسمالية العالمية، وركزت على ضرورة إقامة إقتصاد منتج يدور حول الذات بدل إقتصاد ريعي تابع وفي خدمة إقتصاديات الغرب الرأسمالي.

لقد جربت عدة دول، ومنها الجزائر في عهد الرئيس هواري بومدين القيام بذلك بإشراف الدولة، وما سمي آنذاك ب”الإقتصاد الإشتراكي”، الذي لم يكن في حقيقته إلا  رأسمالية دولة، وللأسف أثبتت التجربة في كل الدول الإشتراكية فشل تلك المشاريع بسبب ضعف المبادرة وقتل روح المنافسة الإيجابية التي يسميها القرآن الكريم ب”التدافع”، وتحولت البيروقراطيات المسيرة لتلك المشاريع إلى ناهبين مستغلين في ذلك الأحادية السياسية التي أضعفت بشدة كل رقابة شعبية، فلكي تنجح مشاريع بهذه الصفة، يجب أن تكون مرتبطة بالديمقراطية الحقيقية.

لكن بعد ما فشلت هذه التجربة، برزت هذه البرجوازية البيروقراطية التي أكتسبت أموالا من إستغلال نفوذها أثناء الأحادية، إلا أنها بدل ما تستثمر تلك الأموال في بناء إقتصاد منتج تحولت إلى مستوردين أو ما أسميهم ب”الكمبرادور”، وهو مايعني بالبرتغالية “خادم الأوروبي”، وهم فعلا بممارساتهم وسلوكاتهم الإقتصادية هم في خدمة الإقتصاد الأوروبي، خاصة الفرنسي منه بالنسبة لنا نحن الجزائريون، فبإستثناء أقلية من هؤلاء التي حاولت الإستثمار في إقتصاد منتج، والتي يجب علينا تشجيعها دون أن نسأل كثيرا عن مصادر أموالها، فلنكن برغماتيين وعمليين وواقعيين في هذه المسألة بدل الشعبوية والخطابات السياسوية الجوفاء التي لامعنى لها، لأننا سنجد أنفسنا في وضع “من الطاهر الذي سيطهر من؟”، وقد سبق أن طرحنا ذلك في مقالة سابقة حول ظاهرة إستراتيجية تعميم الفساد، فالمهم اليوم هو التفكير في آليات عملية لإستعادة هذه الأموال بطريقة غير مباشرة بدل هروبها إلى الخارج، وذلك بإستثمارها في مشاريع تنموية وإقتصاد منتج جزائري، ويقومون هم أنفسهم بذلك في سبيل  بناء إقتصادنا الوطني وإخراجه من التبعية، وكي نحقق ذلك يجب وضع آليات وقوانين جديدة تدفع هؤلاء إلى الإستثمار في الجزائر وفي قطاعات منتجة للثروة ومناصب الشغل، فيعود خيرها على الجزائر بدل ما تهرب إلى الخارج وتخدم الآخرين.

فلنعلم أن كل إقتصاديات الدول الكبرى هي من نتاج ما يسمونهم ب”البناة الكبار”، فهم عدد قليل استثمروا أموالهم سواء أخذوها بشكل شرعي أو بأساليب ملتوية مثل روكفلر الجد مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية في بناء إقتصاد دولهم، فلنستلهم من تجارب ناجحة، ومنها نجاح الأمبرطور الميجي في اليابان منذ1868 في نقل وتحويل الإقطاعيين الممثلين في طبقة الساموراي إلى الإستثمار في الصناعة، فكانوا وراء المجمعات الصناعية الكبرى اليابانية، وهم كانوا من قبل يشبهون هؤلاء الكمبرادور عندنا الذين يجب تحويلهم إلى الإستثمار في إقتصاد منتج أيضا، ونفس التجربة عرفتها الصين بإصلاحاتها بعد وفاة ماوتسي تونغ والتخلص مما يسمون ب”عصابة الأربعة”، ومنهم زوجة ماوتسي تونغ ذاته، فبحكم تلك الإصلاحات تحول الكثير ممن اكتسبوا أموالا بإستغلال الأحادية الماوية إلى الإستثمار في الإقتصاد المنتج، فهذا هو ما يجب أن يكون حلنا اليوم، فالجزائر تحتاج اليوم إلى الإستقرار وبناء إقتصادها الوطني وتحريره من التبعية للنفط والخارج، فلتتحول الدولة إلى منظم لذلك دون تدخل كبير مما يعرقل هذه الإستثمارات الإقتصادية المنتجة، لكن مع الإصرار على تطبيق القانون بصرامة من الآن فصاعدا، خاصة بوضع آليات عملية لتطبيق مبدأ “من أين لك هذا؟” الذي تنوسي، وغيب عمدا في خطابنا السياسي والديني منذ صعود “إسلام البترودولار” في بلداننا، فلو طبق في حينه لما وقع ما وقع.

انه لمؤسف جدا أن نلاحظ العراقيل التي يلاقيها القلة جدا من المستثمرين في القطاعات المنتجة من طرف المستوردين المتحالفين مع عناصر من السلطة، لأن أي إنتاج محلي سيقضي على تسويقهم للمنتجات الأجنبية في بلادنا، ولهذا فهؤلاء مرتبطون بمصالح الرأسمالية العالمية، فعرقلة هؤلاء المنتجون ماهو في الحقيقة إلا خدمة للإقتصاديات الغربية، خاصة الفرنسية منها، فتبقينا هذه التصرفات والممارسات في تبعية إقتصادية للخارج التي منها تأتي كل تبعياتنا الأخرى، فالجزائر في أمس الحاجة إلى حل لمشكلتها الإقتصادية ليعيش الجزائري في رخاء، وهو ما من شأنه الحفاظ على تماسك الأمة ووحدتها لأن الكثير من المشاكل هي نتاج الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، والتي يغذيها ما أسميهم في كتاباتي ب”مثقفي وسياسويي العصبيات” الذين لايمتلكون حلولا عملية للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية بسبب ضعفهم الفكري، فيلجأون إلى خطاب العصبيات ودغدغة العواطف لإكتساب الأنصار، والمتمثلة في العصبيات اللسانية والقبلية والجهوية والطائفية والدينية التي بقيت سائدة عندنا منذ العصر الخلدوني إلى اليوم، فهؤلاء بخطابهم وممارساتهم لاينقولنا إلى عالم جديد متقدم، بل سيكرسون أكثر إستمرارية هذا العصر الخلدوني الذي سماه بن نبي ب”عصر ما بعد الموحدين”، أي بدايات إنحطاط حضارتنا الإسلامية ب”أفكاره المميتة”- حسب بن نبي-، والتي لازالت مستمرة إلى حد اليوم رغم كل المحاولات التي تقوم بها أقلية من المثقفين والسياسيين للخروج منها، لكنهم للأسف محاصرين من “مثقفي وسياسويي العصبيات” الذين يحرضون ضدهم بتشويههم بأساليب لاأخلاقية والكذب عنهم ونعتهم بنعوت شتى والتلاعب بالعواطف وإستغلال الدين والعصبيات الموجودة بقوة في مجتمعاتنا المتخلفة للأسف الشديد.

 

البروفسور رابح لونيسي

                                                                – جامعة وهران-

متعلقات

إغلاق