أعمدة الرأي

بومدين وعسكرة السياسة في الجزائر…

يمثل انقلاب 19 جوان 1965 آخر حلقة لبسط الجيش لهيمنته على السلطة السياسية والدولة. بن بلة، الذي اختاره الجيش ليضعه في واجهة النظام السياسي  بالنظر إلى حظوته الجماهيرية، أراد أن يستفرد بالسلطة ويتحرر من الرقابة اللصيقة التي فرضت عليه من قبل قائد أركان جيشه(هواري بومدين)، لكن هذا الأخير  لم يتحمل أن تتساقط الوزارات والصلاحيات واحدة تلو الأخرى، فقرر عزل الرئيس بن بلة وإخراج العملية على أنها تصحيح ثوري جمد بومدين المجلس الوطني التأسيسي الذي تم انتخابه سنة 1963، و وضع مكانه مجلس الثورة، الذي ترأسه هو بنفسه من دون أن يجتمع ولو لمرة طوال فترة حكمه، بالرغم من أنه جعل منه أعلى هيئة سياسية في الدولة. كما احتكر لنفسه جميع المناصب السياسية الهامة: رئيس مجلس الثورة، رئيس الحكومة، الأمين العام للحزب الواحد، وزير الدفاع،  ثم قائد الأركان العامة للجيش بعد الانقلاب الفاشل الذي قام به العقيد طاهر زبيري (قائد الولاية التاريخية الثانية: الأوراس- النمماشة) سنة 1967. كان لهذا الانقلاب انعكاسات عميقة على علاقة السلطة بالجيش والدولة. استغل بومدين هذه الحادثة ليقوم بعزل أغلب القادة العسكريين التاريخيين الذين كانوا يتمتعون بإرث وشرعية تاريخية، و وضع في مكانهم الضباط الذين عرفوا باسم(الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في أواخر الحرب التحريرية على غرار: خالد نزار، العربي بلخير، محمد بتشين، عبد المالك غنايزية، العقيد شابو، العقيد إيدير، محمد العماري….). كان بومدين يعتقد بأن هؤلاء لا يشكلون خطرا حقيقيا عليه نظرا لضعف شرعيتهم التاريخية بسبب (ماضيهم السيء)، واعتقد بأنهم سيكتفون بشغل مناصب تقنية في الجيش مقابل التمتع بالامتيازات التي يتيحها المنصب. وبالفعل، استمر ولاء هذه الجماعة لبومدين وكانوا سنده الأول داخل الجيش وارتكز عليهم في ممارسته للسلطة. و لكن بعد وفاته سنة 1978، بدأت طموحات هؤلاء تطفوا إلى السطح و كان لهم الدور الرئيس في تعيين خليفته.

تميزت الفترة البومدينة بكل صفات الدولة النيوباترمونيالية، التي يتصرف فيها الحاكم وفقا لما يمليه له مزاجه. تم تعطيل العمل بالدستور، وتم حل المجلس الوطني التأسيسي، وأنشأ في محله ما يعرف بمجلس الثورة كأعلى هيئة سياسية شرعية تحرس على تطبيق التوجهات السياسية الثورية. أما المعارضين التاريخيين له، فلم يتردد بومدين في استعمال أساليب المالغ ( MALG)* ضد خصومه: الاغتيال: تم اغتيال محمد خيضر في مدريد( 1967)، وكريم بلقاسم في ألمانيا( 20 اكتوبر 1970)، أما بن بلة فقد سجن، في حين اختار آيت أحمد المنفى بعد أن تمكن من الفرار من سجن الحراش سنة 1966. ساعدت التدفقات الريعية في إرساء بومدين لنظام شمولي ريعي، يرتكز على ثلاثية: القمع، الريع والبيروقراطية.

كانت سنوات الخمسينات والستينات في بلدان العالم الثالث بمثابة العهد الذهبي للجيوش، بسبب الدور التاريخي الكبير الذي لعبته في استعادة السيادة الوطنية. مهمة فشلت فيها النخب السياسية طوال فترة ما بين الحربين العالميتين.

    بعد سنوات قليلة من الانقلاب أصبح للجزائر  ناصرها (جمال عبد الناصر  الخاص بها): يطيح بالعملاء، ويحارب البورجوازية والاقطاعية، يتحدى الإمبريالية، ويساند فلسطين ظالمة أو مظلومة، ينشر التعليم والعلاج بالمجان، وينشأ مصانع في كل مكان…كانت خطوات التحديث متسارعة جدا، استعملت فيها الموارد المالية الضخمة التي تدفقت عقب الأزمة النفطية الأولى( 1973). بخطاب شعبوي، وبلغة بسيطة قريبة من الجماهير، وإجراءات استعراضية ثورية( تأميم المحروقات مثلا)، استطاع بومدين أن يبني كاريزما قوية سمحت له بالتحرر من الجيش، وكسب شعبية جماهيرية تضاهي شعبية عبد الناصر في مصر و غاندي في الهند و تيتو في يوغسلافيا.  بل إن تلك الكاريزما القوية أغلقت التنافس السياسي حول منصب الرئيس طوال فترة حكمه، وتحول التقرب إليه، أو الحديث باسمه، أقصى حد يطمح إليه سياسي ما. أي أن مركز السلطة الفعلي محتل ماديا و رمزيا من طرف بومدين، وليس عرضة للمنافس أو التقاسم.

/

* هي اختصار لوزارة التسليح والاتصالات العامة خلال الثورة التحريرية. أنشاها العقيد عبد الحفيظ بوصوف في المغرب، وكانت أداة أساسية في يد جماعة وجدة، المدينة المغربية الواقعة على الحدود مع الجزائر.

متعلقات

‫6 تعليقات

  1. بوركت أستاذ نوري على هذا التوضيح لكن هذا لا ينفي أبدا أن تلك الفترة بالذات كانت تحتاج إلى تضحيات جسام وكاريزما قوية جدا لمن يتولى الزعامة بعد ثورة عملاقة.

  2. عرض سليمًولكنه برايي تبسيطي، اختزالي وغير حيادي، حيث ركز على إبراز طبيعة الحكم الفردي التسلطي، وهو فعلا جزء من الصورة العامة للنظام، لكنه تجاهل في المقابل السياق التاريخي سواء على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي. وهو بصفة عامة يندرج ضمن تصور معروف لدى صديقنا نوري ادريس كاتب المقال. تصور ليبرالي ذو نزعة تبريرية للرأسمالية ومنبهر بقيمها، ومناهض لكل نزعة يسارية مهما كانت طبيعتها.

  3. رأيك سليم تاريخيا مع ان البعض سيعارض وجهة نظرك ويصفها بالمعادية، الا انها حقيقة تاريخية نجدها في أغلب المذكرات التاريخية ( اذا احتاج المعارض الى دليل)، هذا التوضيح الذي قدمته يمكن دعمه بمقولة هواري بومدين الشهيرة والتي يمكن بطريقة او بأخرى ان تدعم وجهة رأيك :” كان لا بد أن تعود السلطة إلى أيدي الذين يحسنون قيادة الرجال في ساحة المعركة” يتبين أن الهواري بومدين دائما ما كان طموحا بشأن وصوله إلى افتكاك السلطة، لقد كان ينتظر الفرصة السانحة للاستيلاء على الحكم وهذا ما تحقق فعلا، فما الذي تسببت به سياسته ياترى؟… النتيجة معروفة.
    في فترة حكم الرئيس الهواري بومدين عرف الجيش محاولات عدة لتنظيمه وتحديد دوره الرئيسي في بناء الدولة الوطنية الحديثة، وقد أصدر قرارا عام 1976 (بحكم الميثاق الوطني والدستور) ينص على تقنين الدور السياسي للجيش الذي بدء بلعب عدة أدوار متزايدة في المجال السياسي خصوصا المواجهة التي كانت ضد الحركات الاحتجاجية، لكن ولإيضاح الأمور الجيش لم تكن له ممارسة سياسية حقيقية في عهد الرئيس بومدين الذي سهر على إبقائه تحت إشرافه المباشر وإبعاده عن السلطة الفعلية، بالرغم من تشكيل مجلس الثورة وإشاعة السياسة فيه، وهذا في رأينا يعود إلى هيمنة الشرعية السياسية والتاريخية التي كان يتمتع بها الرئيس بومدين. لكن بعد وفاته أثبت الجيش قدرته على تغيير مجرى الحياة السياسية والتحكم فيها، وهذا ما يؤكده وصول الشاذلي بن جديد- الشخصية العسكرية- إلى رئاسة البلاد، وبالتالي على إحداث مساواة بين الجانب العسكري والسياسي وسعيه إلى إبقاءه كجزء لا يتجزأ من الحزب، هذا يجعلنا نتأكد أن خليفة الهواري بومدين يجب أن يمثل ويؤكد قوة المصالح العسكرية، وفي نفس الوقت يؤكد الضعف البنيوي لباقي الفئات، لاسيما في حالة غياب دور حقيقي للسياسي.
    تحياتي

  4. مشكور استاذ، قدمت تاريخ قريب مع خاصية جديدة في قراءتك تتمثل في استعمالك تحليل ما فوق سطحي ليس من طبيعة اسلوبك، اراك اقرب الى المؤرخ منه الى السوسيولجي الذي اعرفه، هذا راي البسيط…..، اما ما تناولته استاذي الكريم فاسمح لي ان اكتب ما حاولت مداراته و حاولت التحكم في صراحتك المعهودة عليك، دعنا نخرج من سرد التريخ الى الاستفادة منه عبر التحليل و الاستشراف او اسميه من صيرورة الى السيرورة، 01- علاقة السياسي/العسكري لم تكن ابدا علاقة متكافاة بل في تاريخنا الحديث حتى ” السياسي” بالمفهوم الجزائري كان” عسكرجي” دون رتبة في الجيش و يخدم العسكري اكثر من ما يخدمه العسكري ذلك ان ” السياسي” بهذا المفهوم ” بجياحته” كان بيدق العسكري، و لم تكن الجزائر ابدا بين السياسي و العسكري بل كانت في عبون العسكري منذ الازل و لكم في التريخ اكثر من دليل. 02- بومدين لم ياتي بالجديد بل كرسه و ووضع مؤسساته و متن ركائز كانت موجودة و الامثلة عن الثنائيات كثيرة: كريم/عبان….الخ 03- بمفهوم المطابقة و دورة التاريخ دعنا نحاول اسقاط ما كان على ما هو موجود متى يكون 1978؟ لكم مني استاذي الكريم اجمل التحيات و ارجو ان تسمح لنا الظروف ان نتلاقى على و في مناسبة اكاديمية نتوسع فيها حول هذا الموضوع و تشعباته سلام

  5. مشكور استاذ، قدمت تاريخ قريب مع خاصية جديدة في قراءتك تتمثل في استعمالك تحليل ما فوق سطحي ليس من طبيعة اسلوبك، اراك اقرب الى المؤرخ منه الى السوسيولجي الذي اعرفه، هذا راي البسيط…..، اما ما تناولته استاذي الكريم فاسمح لي ان اكتب ما حاولت مداراته و حاولت التحكم في صراحتك المعهودة عليك، دعنا نخرج من سرد التريخ الى الاستفادة منه عبر التحليل و الاستشراف او اسميه من صيرورة الى السيرورة، 01- علاقة السياسي/العسكري لم تكن ابدا علاقة متكافاة بل في تاريخنا الحديث حتى ” السياسي” بالمفهوم الجزائري كان” عسكرجي” دون رتبة في الجيش و يخدم العسكري اكثر من ما يخدمه العسكري ذلك ان ” السياسي” بهذا المفهوم ” بجياحته” كان بيدق العسكري، و لم تكن الجزائر ابدا بين السياسي و العسكري بل كانت في عبون العسكري منذ الازل و لكم في التريخ اكثر من دليل. 02- بومدين لم ياتي بالجديد بل كرسه و ووضع مؤسساته و متن ركائز كانت موجودة و الامثلة عن الثنائيات كثيرة: كريم/عبان….الخ 03- بمفهوم المطابقة و دورة التاريخ دعنا نحاول اسقاط ما كان على ما هو موجود متى يكون 1978؟ لكم مني استاذي الكريم اجمل التحيات و ارجو ان تسمح لنا الظروف ان نتلاقى على و في مناسبة اكاديمية نتوسع فيها حول هذا الموضوع و تشعباته سلام

  6. موضوع رائع كم نحن بحاجة لمثل هكذا تحليلات تضع الامورلا في نصابها وتنتقد الاداء بموضوعية وتجرد لا كما تقدمه الاقلام الماجورة والفاجرة .بومدين هو سبب ما نحن فيه الان من ازمات وهوان وسيطرة مطلقة للجيش ..بو مدين لم يؤسس دولة انما اسس سلطة استحوذت على فكرة الدولة وانهت وجودها في وعي الغالبية الساحقة من الشعب ..مرحلة بو مدين بحاجة الى محاكمة علنية يتصدى لها الشرفاء لتبيان الحقيقة واعادة الوعي للمجتمع ..بومدين ومهما ادعى لا يعدو ان يكون مجرما اغتصب السلطة وسرقها واسس للاستبداد والجريمة السياسية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق