أعمدة الرأي

الحراك والجولان

مما خُلدت به الثورة الجزائرية المظفرة، أنها كانت إحدى أهمّ منارات التحرير في إفريقيا على وجه الخصوص. مما أكسب الجزائر صفة (كعبة الثوار) ، أو مكة الثوار . ولسنا هنا في مقام مقارنة الثورة التحريرية بالحراك الشعبي هذه الأيام ؛ لأن المقارنة لا تصح بأي وجه؛ سياقي أو موضوعي . لكنّا نُحبّ الاستفادة من المؤهلات والفضائل الإنسانية الكبرى التي ألهمت الجزائريين وأهلتهم آنذاك ليطبعوا مسار الانعتاق من ربقة الاستعمار، والإمبريالية العالمية، امتدّ أثره لمواطن كثيرة، فنستلهمها في سياق الحراك الاجتماعي الشعبي الذي لا زال يعبر في بعده الشعبي على الإجمال عن قيم أخلاقية وإنسانية رفيعة، كالحرية، والكرامة، وحقوق الإنسان ، والمواطنة التي تملك إرادتها في رسم المستقبل بتغيير الحاضر ، وفق شروط تغيير متوازن حضاريا واجتماعيا ونفسيا وتاريخيا .  قلت : نستلهمها وهي تستقبل أسبوعا جديدا من تعبيراتها عن كلّ تلك القيم، فتمدّد أفاق احتضانها لنوازل تتوالى على قضية الأمة العربية والإسلامية الأولى (شعبيا بالطبع) ؛ لأنها رسميا (العبء الأول والأثقل ) على كواهل وشهوات الحكام العرب ، أي قضيتنا مع الكيان الصهيوني .

فالجميع مضى عليهم قرار الإدارة الأمريكية نقل سفارتها إلى القدس ،و اتسع الحيز لبعض الدول الذيلية لها ، أو التي شهدت انقلابات مدروسة كي تسير في ركاب أمريكا، ولم يتح للشعوب أن تُبدى مواقفها الرافضة بأصوات صارخة، والأسباب معروفة للجميع ؛ إذ أن أوضاع الدول التي كانت شعوبها تُعبّر بمظاهراتها وخروجها في الأحداث الكبرى كالحرب على العراق من قبل ،الانتفاضات الفلسطينية الكبرى و غيرها ، صارت تلك الدول وشعوبها كلّ واحدة منها قضية ونكبة جديدة أضيفت لقائمة الدول المنكوبة في عالمنا العربي . وبالطبع فإن الوصول بالحال فيها إلى ما وصلت إليه لم يكن سوى نتيجة مقدرة مسبقا لتخطيطات قوى كبرى ، كان آخر إنجازاتها ما يعرف بالربيع العربي .

وأحب في هذا المقام الإشارة إلى أن الذين يزدرون فكرة المؤامرة، ويعدونها تصورا وخيالات طفولية سطحية، عليهم أن يقرأوا جيدا ما يصرح به ساسة كبار عملوا وأشرفوا ورافقوا ودفعوا كثيرا نحو تنفيذ وقائع كثيرة منها الربيع العربي تحت عناوين نشر وإشاعة الديمقراطية في الشرق الأوسط، والهدف الجوهري ، فك العقد ة الجوهرية؛ وهي نشاز الكيان الصهيوني في المنطقة؛

 ففي تقديرهم أن نشر الديمقراطية وفق الرؤية والاختيار الأمريكي سوف يؤهل المنطقة لرفاه اقتصادي واجتماعي بالتماهي مع مؤسسات العولمة من ناحية، ومن ناحية أخرى انسياب السبل (لتسجيم \من الانسجام) المنطقة كاملا مع الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ( الكيان الصهيوني) قاتل الأطفال ديمقراطيا !!!

 

اقرأ مثلا ؛ ما تقوله كوندليزا رايس (1954-   ) : ( بمقدور الأمريكيين الإسهام في توجيه التطورات الحاصلة [ الربيع العربي ] في الاتجاه الإيجابي؛ لدينا نفوذ لدى العسكريين في مصر وتونس، ولدى المجتمع المدني و الناشطين السياسيين الذين ساعدنا العديد منهم في التدريب من خلال المؤسسات غير الحكومية الأمريكية، ولدى رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الذين عم بحاجة لوسيلة يصلون من خلالها إلى قوة الأسواق الدولية ؛ لتقديم فرص العمل و وتحقيق الازدهار) ذكريات من سنيّ حياتي في واشنطن أسمي مراتب الشرف-ترجمة وليد شحادة ، دار الكتاب العربي بيروت، ط2012   ص849

 

وها نحن اليوم نواجه بقرار ضم الجولان لدولة الاغتصاب الإجرامي باعتراف التاجر الأمريكي البغيض ، وتولّيه كبر هذه الجريمة التاريخية الماحقة . ويتساوق هذا القرار الاستكباري المجرم مع مواقف عربية رسمية تجمع النقيضين : إنكار نفاقي خسيس من بعض الأنظمة، ودعوات صريحة  لضبط السياسات العربية مع ساعة التطبيع الرسمي المقبلة مع الكيان الغاصب المجرم ،تتويجا لمسار الوقاحة والذلة باستقبال مجرم الكيان ووفوده الرسمية في كثير من بلادها، ورفرفة أعلامها في مناسبات رياضية ، ترويضا وتمرينا للنفوس؛ كي تستمرئ الواقع القادم . وفي هذه الأثناء تتأهب القمة العربية الثلاثون للاجتماع في تونس 13مارس 2019 .

في سياق هذا الوقائع جميعا أرى المقام مناسبا جدّا للتذكير العملي بمعاودة ( كعبة \مكة الثوار) دورها في دمج التنديد بقراري القدس أمس والجولان اليوم، كونهما شأنا أصيلا لا يقل أهمية عن الشأن الوطني الخالص . فإن يكن الحراك يعتزم خروجه الجديد ، يُعدّ لافتاته، وشعاراته ، ليرزها ضمن فعاليات الحراك، الذي تغطيه جل المؤسسات الإعلامية العالمية . فيرسل الرسالة، ويمنح النموذج، ويشجع على الاحتذاء، فترفع  جماهير الأمة أصواتها في وجوه كلّ الصهاينة وخادمهم ترامب، وكذا رسالة للسياسيين والزعماء العرب في قمتهم من أن شعوبهم لم تخنع ولم تمت ولم تستسلم كموتهم وذلتهم واستسلامهم، لأربابهم، حفاظا على عروشهم وكراسيهم، ومكاسبهم الشخصية العائلية .

وأخيرا نُلمّح إلى أمر في غاية الأهمية ، وهو ما تسرب من بعض المصادر السياسية والإعلامية في الجزائر، من أن هناك من يلعب في ظروف والأحداث ، ليفتح مستقبلا منافذ لنوع من الانفتاح والتغير نحو رؤية واستعداد إيجابي في الموقف الجزائري من الكيان الصهيوني ، فتكون رسالة الحراك بمناسبة الجولان ، رسالة أيضا لوسواس شياطين الصهينة في الجزائر .

متعلقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق