ثقافة

رأي| وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة والرقص مع الذئاب

يمكن لوزيرة الثقافة والفنون السيدة ملكية بن دودة أن تنام قريرة العين مستكينة الأنفاس ومرتاحة البال بعد أن تبرأت وبرأت نفسها من خبر أو “شائعات كما جاء في بيانها” المتعلق بإدراج مادة الرقص في التعليم.. ويمكن للقوى المعادية لهذا الفن الجميل فايسبوكية أو الخفافيش المتخفية وراء الستار أو حتى الرسميين الذين يحكموننا أو حتى من بعض المثقفين الواهمين بالعظمة، يمكنهم رفع التحية والقبعة للوزيرة على حسن الإصغاء والطاعة.

على فرض أن الوزيرة لم تتلفظ بهذا الأمر الجلل والخطير الذي هز عرش السوشايل ميديا والكثير من المواقع الإخبارية، وكادت الحملة أن تأتي على الأخضر واليابس، قلت على فرض أن الأمر غير صحيح فكيف لها في لحظة فاصلة كان يمكن أن تستثمرها وتعمل عليها وتدافع عليها وتنتصر لها وتحاول أن تجد لها طريقا في وسط ظلام دامس مدلهم يغطي بأجنحته ليل الجزائر.. في وسط واقع أصبح متزمت أكثر وصلب وأحادي النظرة، متعصب ورافض لكل جميل (والأدلة كثيرة)، كيف لها أن تصطف معهم، وتصاب بالرعب والخوف والقلق وتسارع مع طاقهما المبجل لصياغة بيان تكذيب بائس ومهزوز ومفتقد لنبرة التحدي والثورة، والأدهى أنه بعد نشر البيان انضمت إليها نفس تلك القوى التي شنت عليها الحملة، انضمت إليها وعزفت لها بحماس نشيد الفخر والعزة وقدمت لها التحايا والبركات.

ليست قضية الرقص هذه سوى قشة في كومة مضللة ضبابية يعيشها مجتمع أغلقت فيه أبواب العقول قبل أي أبواب أخرى، مجتمع يعيش الكفاف وأوهام الأخلاق والتربية السليمة وهو أبعد ما يكون عنها (مرة أخرى الأدلة موجودة)، لم تقم الوزيرة ولم تنطق إلا بما يحبه ويرضاه ويرضي تقواه وإيمانه وما سيضعه على عتبة جنة خالية من الرقص والجمال والمتع، لم تشر الوزيرة           إلا إلى ما يعتمل حقيقة في باطن وأسفل هذه المجتمع بمختلف أطيافه، والغريب أن زمرة المثقفين والكتاب والفنانين صفقوا لها وضحكوا واستبشروا لهذا الموقف الذي سيسجل لها، فلقد محت سنوات من النضالات الحثيثة لزمرة أخرى من المثقفين والفنانين ناضلوا وتكسرت أصابعهم وأرجلهم وماتوا واغتيلوا وهم يقاومون الظلال المخيفة التي تطارد عبثا الثقافة والفنون.

هكذا سمحت الوزيرة لهؤلاء بتعزيز مكانتهم كحراس وعسس ورقباء على الرقاب والذوق، وفسحت لهم المجال واسعا وموسعا لتكون الأفضلية لهم والسبق والأمر والنهي والسماح لما يرونه الأنسب والأليق بأخلاق المجتمع، فالرقص لعنة ومخالف للسائد والدين والأعراف والتقاليد، الرقص مؤذ للعين والروح، الرقص يفسخ ومنحل، وهادم للنفوس والأرواح، لا مكان له، غريب يبحث عن التمدد في مسامات البيت والمدرسة والمصنع والمؤسسة، دخيل ومنحط وشيطاني وغير مفيد، بقية من جاهلية عمياء، وثن، فيروس ناخر، وسبب المنكرات، سيء جدا.

هذي هي الرؤية التي باركتها الوزيرة وبصمت عليها بأصبعها العشر، وراجعت تفاصيلها الدقيقة قبل أن تصدر البيان المغلف بالرسمي، راجعتها مع طاقمها المستميت (الذي أتصور أنه لا يحسن الرقص)، الحريص على سلامة وطمأنينة الروح السائدة في مجتمع منسجم متماثل لا يقبل هزات البطن المثيرة ولا تمايلات الجسد الغاوي، رغم أن نفس هذا المجتمع يعيش على وقع الرقصات في الأعياد والأفراح والأعراس وفي مناسبات أخرى، رقصات هي جزء من تراثه من الشمال إلى الجنوب إلى الغرب إلى الشرق، فكيف وقعت الطامة على رأس الوزيرة فقط لأنها قالت أو لم تقل، ما يخالف توقعات القوى المضادة؟

كان حري بهذه القوى أن تبدأ حربها الدونكيشوتية هناك غير أنها تدرك أن حصون تلك القلاع ضاربة في العمق ومتماسكة ولا يمكن أن تخترق أو تتزعزع، وفي هذا دليل على نفاقها وزيفها، وكثرة وجوهها المقنعة، وطغيان الكذب وسيطرة البهتان عليها، فهي من جهة رافضة بقوة وشدة، ومن جهة أخرى مستمتعة ومتناغمة مع العرف والتقاليد أكان رقصا أو غناء أو غيره، بل رأينا في الكثير من الأحيان تصالحها في السر مع المحرم وقيم أخرى مخالفة لذاتها أو مجتمعها.

منذ توليها منصب وزارة الثقافة والفنون ضيعت مليكة بن دودة الكثير من شغفها الثوري ونظرتها الفلسفية، وما فشلها في امتحان الرقص (هل تحسن الوزيرة الرقص؟)، – حتى ولو كان توقيته غير ملائم أو غير مضبوط عقاربه -، إلا جزء من فشل نخب أصبحوا رهائن وعبيد لفضاء أزرق يوجه البوصلة أنى شاء وكيفما شاء وفي الوقت الذي يشاء.. فضاء متطرف حاقد، مستمر في تغيب الوعي والعقل والجمال، مستميت في الدفاع عن الرداءة والتوهم، ولم يكن وارد إلى وقت معلوم أن يحكم بقبضته الناعمة على مفاصل كل شيء.

كان المتشددون فيما مضى وربما ما زالوا يطالبون بمواد منغلقة ومتزمتة نفثوها ما استطاعوا إلى ذلك من سبيل في منظومة تربوية بقيت تراوح مكانها، وأنتجت أجيال كثيرة لا تحب القراءة ولا السينما ولا المسرح ولا أي شيء مرتبط بالثقافة والفنون، وها هي الوزيرة المحسوبة على الفكر والفلسفة والعقل تصطف مع هؤلاء في بيانها المخشوشن اللغة والأسلوب وتبرر وتتبرأ من تقديرها لفن جميل، كنا نعتقد أنها ستتلطف وتعطي مثالا راق لرؤيتها لمكمل الحياة هذا ولكنها فضلت الركون والاستسلام والنأي بروحها التي غدت غائبة عن الأنهر المتدفقة على حجر الفلسفة السحري، وارتأى الراقصون مع الذئاب أن يظلوا مجرد أبطال لفيلم خيالي قد تكون الوزيرة أكتفت بمشاهدته من على شاشة التلفزيون.. وحلمت معه بالرقص وهو يسمو في الشوارع والمعاهد والمدارس، وأفزعه كابوس الذئاب وهي تنهش وتعض في جسده الجميل.

بقلم الكاتب: أبوبكر زمال

متعلقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق