أعمدة الرأي

قراءة في فضيحة تسريب البكالوريا

      المدرسة الجزائرية بين الفعالية والأيديولوجية

                     – قراءة في تسريبات مواضيع-

   يعتقد الكثير أن الصراع حول المدرسة في الجزائر ظاهرة جديدة عرفها العالم الإسلامي، فهذه الظاهرة قديمة في منطقتنا منذ أن أصطدمنا بالغرب بعد حملة نابليون على مصر في1798، فأكتشفنا مدى تخلفنا، وتم طرح سؤال لماذا تخلفنا؟ وماهي الحلول للخروج من التخلف واللحاق بأوروبا المتقدمة؟، فلنسجل بأن حركة التاريخ تدور دائما حول الأفكار والصراع الابدي  بين مجدد يسعى لتغيير الوضع من جهة ومحافظ يعمل من أجل الإبقاء عليه كما هو، لكن المجدد عندما يحقق هدفه يتحول بدوره إلى محافظ، فيعرقل كل فكرة جديدة، فالأنبياء كان دورهم دائما تحريك التاريخ إلى الأمام، فيصطدمون بالمعرقلين لهم الذين هم عادة رجال دين أوأيديولوجيو الإستبداد والإستغلال، فيشوهون ويعرقلون الأنبياء في مهمتهم التغييرية، ويعملون من أجل الحفاظ على الوضع القائم كما هو، ألم يقل القرشيون لسيدنا محمد )ص( “هذا ما ألفينا عليه أباءنا”، أي رفضهم أي تغيير إلى الأمام، وقد وضحنا هذه المسألة بالتفصيل في إحدى مقالاتنا المعنونة ب”حركة التاريخ بين سدنة المعبد وورثة الأنبياء”.

وقعت عدة معارك حول إصلاح التعليم مباشرة بعد إصطدامنا بالغرب وإكتشاف تخلفنا، فمثلا تعرض الإصلاحي المجدد محمد عبده إلى تشويه وهجوم عنيف عندما سعى لإصلاح الأزهر الشريف وإدخال العلوم الأوروبية الحديثة إليه، ووقع نفس الأمر لبن باديس الذي كان متقدما في عهده إلى تهديد بالطرد من الزيتونة، لأنه أنتقد التعليم المتخلف فيها، ودعا إلى إصلاحه، وهو طالب، كما تعرض المصلح التونسي الكبير خيرالدين التونسي إلى هجمات، وهو رئيس للوزراء، لأنه أراد نقل النظم الأوروبية المتقدمة في مجالات السياسة والتعليم مع الحفاظ على هوية تونس، وهو ما يتبين بوضوح من خلال كتابه “اقوم المسالك في إصلاح  الممالك”، وكان يرى ضرورة إصلاح التعليم الزيتوني، لكنه وجد عراقيلا شتى، فأنشا المدرسة الصادقية الحديثة التي جمعت بين التعليم الأوروبي الحديث وهوية تونس، وهي التي أخرجت لنا كل الحداثيين في تونس، ومنها الحركة الإستقلالية بقيادة بورقيبة الذي تمرد على القيادة القديمة التقليدية والمهادنة للإستعمار، لينشأ الحزب الدستوري الجديد، فلا يمكن لنا نفي دور المدرسة البورقيبية وتأثيرها على نجاح تونس النسبي اليوم في إنتقالها الديمقراطي مقارنة بدول أخرى لم تعرف مدرسة مماثلة، وعرفت الدولة العثمانية التي ستصبح تركيا في 1923 نفس مظاهر الصراع حول الإصلاحات، بل قتل سلاطين لأنهم  أرادوا الإصلاح في كل المجالات، ومنها التعليم متهمين أياهم ب”الكفر”، ولا يمكن أن ننفي دور مدرسة كمال أتاتوك في التقدم الذي حدث في تركيا، وحتى أردوغان المسلم المتفتح كان نتاج مدرسة أتاتورك، ولم يعرف العالم العربي حركات دينية متطورة مثل العدالة والتنمية لأردوغان بسبب المدرسة المحافظة جدا فيها.

إن ما وقع للمدرسة في الجزائر يعود إلى السنوات الأولى للدولة الوطنية، وبالضبط مع الرئيس بومدين الذي وزع أنذاك القطاعات الهامة في الدولة على تيارات أيديولوجية مختلفة ومتناقضة بهدف إحتوائها وإرضائها جميعا كي لاتقلق سلطته، فأعطي القطاع الإقتصادي لليسار بحكم أن إقتصاد  البلاد إشتراكي، كما أعطى المدرسة للتيار العروبي الإسلامي، فمنذ تلك الفترة سيطر هذا التيار الأيديولوجي على المدرسة، وعمل بكل ما بوسعه لخدمة أيديولوجيته وتكوين المناضل بدل المواطن وعلى حساب المعارف والعلم، بل تم تشويه التاريخ وتصفية  حسابات مع الخصوم، فبرز في التاريخ مثلا بن باديس بقوة على حساب الآخرين لدرجة أن أعتقد البعض أن جمعية العلماء هي التي أشعلت فتيل الثورة في1954، مما جعل مثلا وطني كبير في الحزب الإستقلالي مثل بن خدة يكتب كتابا في نهاية الثمانينيات، ويقول في مقدمته أنه وضعه للرد على هذا التزييف الكبير للتاريخ، وسماه “جذور أول نوفمبر1954″، كي يبين زيف مايدرس في المدرسة، وبأن جذور الثورة تعود إلى نجم شمال أفريقيا الذي أسسه المهاجرون في فرنسا بعد ما أحتكوا بالأفكار الأوروبية الحديثة وأساليب النضال الجديدة فيها، والذي تحول إلى حزب الشعب ثم الحركة من أجل الإنتصار للحريات الديمقراطية، وبان الثورة نتاج هذا التيار، وليس جمعية العلماء كما كان يروج في المدرسة قبل 1988.

لكن تنبه الرئيس بومدين قبل وفاته إلى ما أعتبره خطأ إستراتيجي فادح، فأكتشف أن المدرسة، قد أصبحت رهينة لهذا التيار المدعوم من الأساتذة المشارقة، وأكتشف أن التدريس فيها يقوي  ما أسماه بالرجعية المعرقلة لما يراه بانها ثورة إشتراكية وتقدمية، فأتي بمصطفى لشرف، وأعطاه كل الصلاحيات للقيام بما أسماه  تطهير قطاع التعليم من هؤلاء “الرجعيين و أفكارهم”، لكن فشل لشرف وبومدين أمام ضغط المسيطرين الأيديولوجيين على المدرسة، فتعرض لشرف لتشويه ولنعوت التغريب وحزب فرنسا والكفر وغيرها من النعوت التي تستخدم من هذه التيارات ضد خصومها، وتناسو أن لشرف كان مناضلا قديما في حزب الشعب الجزائري الإستقلالي، وأحد لسجناء الطائرة المختطفة إلى جانب بن بلة وبوضياف وآيت أحمد وخيدر، كما كان ضليعا  في اللغة العربية وشديد الإعتزاز بجزائريته، لكنه كان ضد أفكار عصور الإنحطاط التي يسميها بن نبي ب”الأفكار المميتة”، فأراد نقل تجربة المدرسة البورقيبية المتفتحة، لكن توفي بومدين، وأستقال لشرف تحت الضغط، وبقيت المدرسة تحت سيطرة أيديولوجية طيلة فترة الثمانينيات، خاصة وأن حزب الأفالان كان هو المتحكم في تحديد السياسات، أي أولوية الحزب، ونحن نعلم أن أغلبية مناضليه من قطاع التعليم.

وبعد مجيء بوضياف أكتشف مدى التخلف الذي تعانية المدرسة وسيطرة هذا التيارات الأيديولوجية عليها، خاصة أن بوضياف عرف مدى التشويه التاريخي الذي  قامت به هذه المدرسة، مما جعله يصرح بشكل غاضب مبالغ فيه “أن جمعية العلماء لم يشاركوا في الثورة”، وهو ما يدل مدى الألم الذي يشعر به بسبب التزوير وقلب الحقائق، طبعا نحن لا نوافقه في مبالغته تلك، لأن الثورة قد أشعلتها التيارات الإستقلالية فعلا، لكن أنضمت إليها فيما بعد كل التيارات الأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أشد اللائكيين تطرفا إلى أصحاب المرجعيات الدينية، فهي كانت ثورة وطنية، فالوطنية  ليست مرتبطة بتيار دون آخر، لكن أبدع بوضيافن واستخدم لأول مرة  مصطلح” المدرسة المنكوبة”، وهو ما يعني دعوة منه لإعادة النظر في المدرسة وإصلاحها جذريا، ففي هذه الظروف عرفت الجزائر ظاهرة تسريبات مواضيع البكالوريا المعروفة في دورة جوان1992، ففهمها البعض أنها محاولة لضرب الوزير علي بن محمد المحسوب على التيارات الأيديولوجية العروبية الإسلامية الذي وجده بوضياف، ولم يعزله لأنه ترك الحكومة كما وجدها، لكن من غير المستبعد أن تفهم أيضا أنها محاولة لتعفين الوضع في الجزائر آنذاك التي تعيش إرهابا مدمرا وضعفا كبيرا في مؤسسات الدولة، فأي تسريب لمواضيع البكالوريا مثلا يعد دلالة على ضعف المؤسسات، كما لا نستبعد أيضا محاولة لإستغلال ذلك للقيام بإصلاح جذري للمدرسة تنفيذا لما دعا له بوضياف من قبل، لكن أغتيل بوضياف، وذهب كل  مشروعه الإصلاحي معه ، وأعيد الإمتحان فيما بعدن ولم يجرأ أي كان طرح مسألة غصلاح المدرسة خوفا من قوة هذه التيارات الأيديولوجية شعبيا بفعل سيطرتها الثقافية الناتجة عن تحكمها في المدرسة والإعلام والمساجد وغيرها.

لكن ربط الإرهاب بالمدرسة، ففي 2003 عقد ملتقى علمي في الأورواسي حول الإرهاب، وقد اتفق أغلبية الأكاديميين المشاركين في الملتقى، بأن هناك علاقة وطيدة بين المدرسة والإرهاب، بل أعطيت أرقام بعدد الإرهابيين الكبير جدا الذي جاءوا من قطاعات التعليم بكل أطوارها،  فطرحت قضية مواصلحة إصلاحات لجنة بن زاغو، لكنها  فشلت وبقيت تدور حول الشكليات مثل كل المحاولات الإصلاحية خوفا من حرص تيار أيديولوجي على عدم التنازل عن هذا  القطاع الإستراتيجي الذي أستولى عليه، لأنه يكون به مناضليه ووعائه الإنتخابي، ويعطيه سيطرة ثقافية وايديولوجية على المجتمع، لكنه في نفس الوقت يمارس سياسة الهجوم بدل الدفاع بالترويج أن المدرسة يسيطر غليها خصومهم، فكلما جاءت محاولة إصلاح عادت نعوت وإتهامات علمنة المدرسة ومحو التربية الإسلامية، ويبدو أن هذا هو شغلهم، فلم يطرحو قط مسألة المناهج وطرق التدريس، فهمهم الدفاع فقط عن مكانة التربية الإسلامية في المدرسة ومضمونها، وكأن أباءنا وأجدادنا الذين حافظوا على إسلامهم السمح والمتفتح طيلة 15قرنا خاصة في العهد الإستعماري الفرنسي  قد كانوا يدرسون التربية الإسلامية في المدرسة.

وبقي الصراع دائما، فكما وقع لمحمد عبده، وقع لكل من حاول إصلاح وتجديد التعليم وتحريك التاريخ إلى الأمام وإخراج مجتمعاتنا من الإنغلاق والتعصب وغرس الروح النقدية فيه وتحريره من الأفكار المميتة، التي لازالت تسود مجتمعاتنا مند دخول حضارتنا الإسلامية عصور الإنحطاط.

وعندما جاءت الوزيرة بن غبريط وقع لها تقريبا نفس ما وقع لمصطفى لشرف، فمنذ البداية تم إستخدام أساليب لا أخلاقية ودنيئة لإثارة الرأي العام ضدها، ووصل الأمر إلى وضع أخطاء عمدية في مواضع البكالوريا، ثم تسريب المواضيع بشكل مفضوح هذا العام، فيجب إخضاع المسألة إلى تحقيق جدي دون أن نتهم أي كان، فلعلها تعود إلى صراع مدمر حول السلطة، لكن لنسأل من المستفيد من إبقاء الوضع في المدرسة على ماهو عليه وتعفينه عند كل محاولة إصلاحية، ولا ننسى كيف روجت أكذوبة أنها ستسعى للتدريس بالدارجة، والتي رافقتها حملة إعلامية رغم كل محاولات تكذيبها لذلك وتوضيح القضية، ثم تم الترويج مؤخرا لأكذوبة أنها أمرت بمجو الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في المناهج المدرسية، أنه إنهيار أخلاقي في كل المستويات رغم التستر بغطاء الدين، أن المسألة اليوم هو تحديث المدرسة في مناهجها العلمية والمعرفية لتكوين كفاءات عليا، إضافة إلى تكوين مواطن يعرف كيف يفكر تفكيرا سليما، ويمتلك روحا نقدية، كما تحتاج المدرسة إلى جزأرة مناهجها مع التفتح على كل العالم، فهل من المعقول أن يعرف التلميذ مشايخ الإرهاب وأيديولوجييهم في الخليج، ولا يسمع بمحمد الديب مثلا؟.

لكن كما يمكن أن تكون هذه التسريبات هدفها  إحراج الوزيرة، فغنه يمكن أيضا ان تكون مجرد إنتصار التكنولوجيا على الإمتحانات، لكن لما لا يقع ذلك في دول أكثر تقدما في هذه التكنولوجيا، هذا ما يطرح أمامنا اليوم أسئلة جوهرية يجب ان يدور النقاش حولها، فهذا دليل على أن الجزائر تعيش إنهيارا أخلاقيا كبيرا رغم ممارسات 99% من شعبنا لطقوسه الدينية وتدريس التربية الإسلامية بحجم ساعي كبير، هذا ما يعني في الأخير ان المدرسة فعلا منكوبة، وتتحمل جزء كبير في إنتاج هذا الإنهيار الأخلاقي رغم إصرارها على التربية الإسلامية، كما أنتجت مجتمعا منغلقا متعصبا يرفض الأخر، فنحن بحاجة اليوم إلى إصلاحي ثوري وجذري للمدرسة، بل نرى ضرورة إعادة إنتاج مدرسة أخرى تماما قبل أن يفوتنا القطار، فلتكن مدرسة تشكل لنا مواطنا فعالا متفتحا يتحكم في العلوم والتكنولوجيا، وليس مناضلا  أيديولوجيا منغلقا ومتعصبا، فغد الجزائر يبنى اليوم في المدرسة، وليس في أي مكان آخر.

 

                                               البروفسور رابح لونيسي

المزيد

متعلقات

إغلاق