أعمدة الرأي

أَنَّايَرْ غُرْنَاغْ ـ الناير عندنا ـ

 التقويم الأمازيغي أقدم من التقويم الميلادي بتسعمائة وخمسين سنة كاملة إلا  أن مستهل السنة الأمازيغية “أَمانّْزُو نَنّايَرْ” يصادف دائما اليوم الثاني عشر من شهر جانفي الميلادي ـ 12 كانون الثاني ـ ،فهذه السنة يحتفل أمازيغ العالم بالسنة 2968 بالتقويم الأمازيغي .

والمستجد هذه السنة هو ترسيم رأس السنة الأمازيغية كعيد وطني في الجزائر قبيل أيام فقط من حلول هذه السنة ما خلق أجواء فرح في مختلف أرجاء البلاد.

و حتى قبل الترسيم الرسمي حرص  أغلب الأمازيغ في شمال إفريقيا على الاحتفال برأس السنة الأمازيغية التي أرخت لانتصار الملك  الأمازيغي شيشنق الذي استولى على حكم مصر عام 950 ق.م  ليؤسس بذلك  لحكم أسرته ـ الأسرة الثانية والعشرين ـ لتظل مسيطرة على عرش الفراعنة لقرنين من الزمن ،وقيل أن الملك الأمازيغي كان قد احتفل بذبح ديك بعد انتصاره على فرعون مصر وقلده شعبه سنة بعد سنة لتظل هذه العادة مستمرة لحد اليوم…

وبعيدا عن الجانب التاريخي للتقويم الأمازيغي احتفظ الأمازيغ في الجزائر بعادة الاحتفاء ب ” أمنزو ننّاير ” إذ تعتبر مناسبة هامة لتجديد روح الفرح والأمل في نفوس الناس ،ويوم يأمل فيه الحزين بأن تشرق في حياته شمس السعادة ،ويوم يطوي فيه المكروب صفحات كروبه ليفتح صفحة جديدة ينتظر أن يسجل فيها أحداثا تنسيه مصائبه الماضية.

والاحتفال بالنّاير في الشرفة قديما بسيط للغاية وبعيد فعشاء ليلة إحدى عشر يناير مميز ويسمى ” إمَنْسٍي نَنَّاير” ،عصر ذلك اليوم تعمد الجدة أو الأم لاختيار أسمن وأكبر ديك أو دجاجة لديها للقيام بذبحه أو ذبحها لتحضير وجبة ملكية تتكون من طبق واحد هو ” سَكْسُو إَبَاوْنْ إَقُرَانَانْ ” ـ سكسو سو بصار ـ الكسكسي بالفول الجاف ـ ،وفي الوقت الذي تنشغل فيه إحدى نساء البيت بنتف الدجاج المذبوح تنشغل الأخريات بفتل الكسكسي وتحضير الفول إذ تكسر كل حبة فول إلى اثنين على حجر دائري مخصص لذلك ثم يقمن بتقشيره ليوضع في قدر فيه ماء ساخن ليطهى ،وعندما ينتصف طهيه تضاف له قطع الدجاج ثم البصل والتوابل من ثوم وكسبرة جافة وفلفل أحمر جاف مطحون ويحرك من حين لآخر كي لا يحترق الفول في قاع القدر …وخلال ذلك يفور الكسكسي حتى يطهى ويوضع جانبا…

ومع مغيب الشمس يكون العشاء قد جهز  فتقوم الأم بوضع الكسكسي في قصعة طينية أو خشبية وتسقيه بمرق الفول ويتحلق كل أفراد الأسرة حولها لتناول هذا الطبق اللذيذ ويحظى كل واحد منهم بنصيبه من لحم الدجاج …الصغير والكبير يأكل حد الشبع وينام سعيدا.

و لإفطار اليوم الأول من السنة  الأمازيغية تستيقظ الأمهات باكرا لعجن ” لسفنج ” ( لخفاف) ،ولسفنج كناية عن سميد يعجن جيدا مع قليل من الملح والخميرة ،ليقلى في زيت غزير ـ زيت الزيتون ـ ليتناوله الجميع مع كوب القهوة الصباحي ،وقد تختار الأمهات تحضير ـ عجن ـ لمسمن ـ وهو عجين من السميد مكوناته ثلاثة لا أكثر ( ماء ـ سميد ـ ملح ) ،يعجن جيدا وترق منه دوائر رقيقة جدا تطوى لتشكل مربعا أو مستطيلا وتقلى أيضا في الزيت .

أما وجبة الغذاء فغالبا هي ” الرفيس”  الذي يسمى في بعض مناطق الجزائر شخشوخة ،لكن شخشوختنا أو رفيسنا قليل المكونات ولا يدخل في مرقه اللحم أو الدجاج إنما يحضر مرقه من البصل و الطماطم والتوابل مع عشبة تسمى ” لبقول” ( نبات من ناتات أسرة السلق) ،ويحضر الرّقاق من السميد أيضا ويرق بزيت الزيتون ليطهى على صاج ساخن ،يفتت الرّقاق ويسخن داخل المرق ،وإن توفر في البيت بعض الدقيق تخرجه ربة البيت ليثري طبقها في هذا اليوم المميز .

وعند تسخين الرفيس تأخذ الجدة أو الأم حفنة من الرفيس وتضعه على أحد أحجار الكانون فإن ذاب الدهن الموجود فيه تفاءلت فذلك يعني أن السنة ستكون غزيرة الأمطار وفيرة المحصول أما إن لم يذب الدهن فذلك يعني أن السنة ستكون سنة جافة !

وقد تختار سيدة البيت تحضير” ثغرفين” ( البغرير) ،وهو الآخر مكوناته قليلة جدا  إذ لا يحضر إلا من دقيق وملح وماء وطبعا الخميرة كي يكبر حجمه وتظهر فيه ثقوب كثيرة ،وتلك الثقوب دليل على نجاح الوصفة  ،ومثله مثل الكسكسي يتحلق أفراد الأسرة لتناول حبات البغرير الساخنة بمجرد خروجها من الصاج الطيني إذ تدهن بزيت الزيتون بكرم وترش بكمية كبيرة من سكر على أمل أن تكون السنة خفيفة كخفة ثغرفين و حلوة  مثل السكر وناعمة مثل الزيت…

إن كانت بعض الشعوب حريصة على تحضير أطباق حلوة لتكون سنتها المقبلة حلوة وسعيدة فالأمازيغ ـ على الأقل في منطقنا ـ يحرصون في كل مناسباتهم السعيدة على تحضير طعام مقلي فكل أم تقول لابنتها :” إٍلاَق أَذْيَفَاغْ شْيَاظْ” ـ يجب أن يخرج من البيت رائحة احتراق الزيت ـ الشياط ـ وكأنها رسالة تعني أن أهل البيت يعيشون في غنى فتحضير طعام مقلي دليل على الوفرة أو تمني لوفرة قادمة أو استمرار الغنى …

روح التفاؤل وانتظار كل جميل هو السائد في أول يناير ،وهو من الأيام القلائل التي تتوقف فيه الأمهات عن نهر أطفالهن أو إبكائهم فالأسطورة تقول أن السنة القادمة أو العيد القادم ستجدك على نفس الحال الذي كنت عليه السنة التي مضت لذا هناك حرص كبير على استقبال الأعياد والمناسبات الخاصة بالابتسامة وإسعاد الغير كي يتجدد فرحهم دائما …

أسقاس أمقاز إكوني أكان ما ثلام ” عام سعيد لكم جديد ” …لا تنسوا أن تسعدوا يوم رأس السنة الأمازيغية واحرصوا على الابتعاد عن الحزن كي تسعدوا العام القادم أيضا …فالفرح يتجدد إن سعدنا في مناسباتنا السعيدة وإن حزننا سيحتل الحزن أيامنا كلها.

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق