أعمدة الرأي

جذور ومستقبل الصراع في السعودية

ترددت كثيرا في الخوض فيما يحدث في المملكة العربية السعودية منذ تولية سلمان بن عبدالعزيز السلطة خلفا لأخيه عبدالله بن عبدالعزيز الذي توفي في2015، ثم تمكن من نقل ولاية العهد لإبنه محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بعد ضغط كبير على ولي العهد الشرعي محمد بن نايف بن عبدالعزيز ابن أخ الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز، وتمت تغطية ذلك بترويج إعلامي غير بريء، بأنه قبض ثروة كبيرة مقابل تنازله عن ولاية العهد، وكأنه باع منصبه الشرعي مقابل ثمن.

     لعل ما دفعني للخوض في هذا الموضوع هو التحليلات الكثيرة والقراءات البعيدة في نظري عن الحقيقة، والتي ذهبت أبعد مما هو واقع، ويبدو أن أغلب هذه التحليلات والقراءات، تجاهلت عاملا رئيسيا، وهو تاريخ الأنظمة الملكية عند المسلمين منذ تحويل الأمويين الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض تحت غطاء خلافة وراثية، فظاهرة نقل ولاية العهد من ولي عهد شرعي بالمفهوم الملكي داخل الأسرة إلى ولي عهد آخر، كان دائما يحدث زلزالا وإضطرابات داخل الأسرة المالكة، وكان يتم في كثير من الأحيان تحت ضغط النساء، وبتأثير من أقوى زوجات الملك أو الخليفة الجديد من أجل تنصيب إبنها وليا للعهد، وهنا يأتي عملية ظهور ولي العهد الجديد في السعودية، كأنه محرر للمرأة السعودية، وهو ما يدل على تأثير “الحريم” خاصة أمه في تعيينه وليا للعهد، فأراد إرضائها، إضافة إلى توظيف ذلك لكسب المرأة السعودية في قرار يبدو جد متقدم بنسبة لمجتمع لازال يحتقر المرأة دون أن تحرك الدول التي تدعي دفاعها عن حقوق المرأة، خاصة والإنسان عامة ساكنا، لأنها وجدت مصالحها في هذه الدولة، لكن ستقرأ الأجيال القادمة، بأن قرار محمد بن سلمان بن عبد العزيز من الطرائف، وسيظهر لها كأمر غريب بعد تطور كبير للبشرية، وستروي بأن وليا للعهد سمح للمرأة بسياقة السيارة في العقود الأولى من الألفية الثالثة بعد ما منعت من ذلك بإسم الدين، برغم أن المرأة في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تشارك في الحروب وفي الحياة العامة، وأثنى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم على ملكة سبأ إلآ لأنها كانت تشاور قومها، أي لأنها “ديمقراطية” في مفهومنا الحالي دون أن يقول لنا أن توليها السلطة عمل مشين أو حرام،  كما يروج البعض اليوم بإسم الدين.

    ان ما تعرفه السعودية اليوم هو مجرد نقل السلطة الملكية من آل سعود أي أبناء مؤسس المملكة عبدالعزيز بن سعود الذين كانوا يتوارثون الحكم فيما بينهم أي من أخ إلى أخ أصغر منه، لكن سلمان بن سعود هو الأخير ضمن هؤلاء الإخوة، فأراد أن ينقل السلطة الملكية إلى أسرته الصغيرة من خلال إبنه محمد، فهذ الظاهرة عرفت بقوة في التاريخ الإسلامي سواء في الدولة الأموية او العباسية أو العثمانية، بل أشعلت حروبا أهلية في بعض الأحيان مثل الحرب بين الأمين والمأمون في العهد العباسي بسبب صراع بين زوجتين قويتين لهارون الرشيد أحدها عربية، وهي أم الأمين، وأخرى فارسية، وهي أم المأمون، وقد أخذت هذه الحرب طابع شعوبي بين العرب والفرس داخل الدولة العباسية.

    بقيت هذه الظاهرة حتى في الفترة المعاصرة، فكلنا يتذكر كيف عمل الحسن الثاني لإبعاد أخيه من ولاية العهد ونقلها لإبنه الصغير جدا محمد في الستينيات، وهو الذي سيتولى الملك بإسم محمد السادس، والذي سيقوم بدوره مستقبلا بنقلها إلى إبنه بدل أخيه الرشيد، ونفس الأمر عرفتها المملكة الهاشمية الأردنية قبل يوم من وفاة الملك حسين الذي نقل ولاية العهد من أخيه الحسن بن طلال القريب من الإخوان المسلمين إلى إبنه عبدالله، لكن الفرق بين هؤلاء والسعودية هو نهاية الإخوة أي أبناء عبدالعزيز آل سعود، ولم يبق منهم إلا الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي بلغ من العمر اليوم 82سنة، ولم تعرف السعودية إطلاقا عملية نقل ولاية العهد من الأخ إلى الإبن، فقد تم إحترام الخط التسلسلي في عملية نقل السلطة، وظهر الصراع بعد رحيل كل الإخوة المتمثلين في أبناء عبدالعزيز، ولم يبق منهم إلا سلمان، فأصبح صراع بين ابناء الإخوة السابقين، وهو ما يمكن ان يهدد إستقرار المملكة، خاصة أن عدد أمراء العائلة المالكة هو في حدود2000أمير.

  نشير بأن النظام الملكي السعودي عرف إستقرارا نسبيا منذ تأسيسها في 1932، ولعل أكبر أزمة عرفتها هو تصفية الاسرة المالكة لجيش الإخوان في الثلاثينيات، فجيش الإخوان لاعلاقة له بالإخوان المسلمين كما يمكن أن يعتقد البعض، بل هو جيش آل سعود الذي أنشأت به الدولة، لكن كي لاينازع الاسرة المالكة السلطة، تخلصت منه بأسلوب بشع، ويدخل ذلك في إطار قاعدة سعي كل حاكم للتخلص ممن يوصله إلى السلطة، كي لاينازعه فيها، كما يمكن أن نذكر ما وقع في 1980 عندما أستولت مجموعة مسلحة على الكعبة الشريفة، فاضطرت العائلة المالكة اللجوء إلى قوات فرنسية لفك الحصار عنها أمام مأزق إيجاد فتوى دينية تبيح لجيش فرنسي الدخول إلى مايعتبر “الأرض الحرام”، أي مكة والمدينة المنورة.

   يعتقد البعض أن ولي العهد الجديد محمد بن سلمان مجددا، وأنه يريد تجديدا دينيا لدوافع إقتصادية وغيرها من التفسيرات، لكن في الحقيقة ما طرحه من مشاريع ومنها العمل من أجل التخلص من التطرف الديني ومشروع مستقبلي ضخم وطموح للمملكة العربية السعودية بعنوان “رؤية 2030″، وظهوره كأنه متأثر بالنموذج الإماراتي، وبأنه يحارب الفساد والتطرف الديني، فكل هذا مجرد غطاء أيديولوجي أتخذه لتبرير عملية تصفية وإبعاد كل المعارضين لنقل السلطة الملكية لولي العهد محمد بن سلمان ومن خلاله إلى أسرة سلمان بن سعود دون أسر إخوانه الآخرين، وهذه الظاهرة ليست جديدة، بل تكررت بقوة داخل الأسر الملكية الحاكمة في التاريخ الإسلامي بداية من بني أمية ونهاية بآل عثمان.

   طبعا يستهدف ولي العهد الجديد إرضاء عدة أطراف داخل المملكة وخارجها، فمثلا يرى البعض فيه أنه مجدد، إلا لأنه سمح للمرأة بسياقة السيارات، فلنتذكر أن السعودية عرفت نقاشات مماثلة من قبل، خاصة في عهد  الملك فيصل الذي كان مجددا حقا، لكن وجد معارضة كبيرة من المؤسسة الدينية في مسألة إدخال التلفزيون إلى المملكة في منتصف الستينيات وبداية السبعينيات، وقد تعرض الملك فيصل المتفتح، والذي يعد أحسن ملوك السعودية في نظرنا إلى الإغتيال في 1975 في يوم عيد على يد أحد أبناء الأسرة المالكة الذي درس في أمريكا، ولا يستبعد أن تكون المخابرات الأمريكية وراء تلك التصفية، لأن أمريكا والغرب لا تريد للمسلمين دخول العالم المعاصر، وترغب في بقائهم منغلقين، مما يجعلهم يبقون يعيشون الركود والتخلف، ولهذا لانعتقد أن أمريكا راضية اليوم على مايقوم به محمد بن سلمان، فهي تحتاج إلى الأيديولوجية الوهابية المنتجة للإرهاب والمثيرة للصراع الطائفي بين أهل السنة والشيعة، والتي تسمح لها بتحقيق مشروعها الأمبرطوري تحت غطاء محاربة الإرهاب العالمي، كما وضع بوضوح في مشروع القرن الأمريكي منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، أي بعد نهاية الحرب الباردة، وكذلك خدمة للكيان الصهيوني الذي يحتاج إلى تنامي التطرف الديني، وما يثيره من نزعات طائفية تؤدي إلى تفكك دول في المنطقة، وإقامة دويلات ضعيفة على أسس طائفية، مما يعطي للكيان الصهيوني قوة وشرعية دينية، ولهذا لايمكن لنا أن نتأكد من إستمرارية كل من يريد القضاء على التطرف في السعودية والدليل تصفية الملك فيصل في 1974 بسبب تفتحه  وموقفه الداعم والمساند بشكل قوي للقضية الفلسطينية، خاصة أثناء حرب أكتوبر1973 ودوره في إيقاف الإمداد بالطاقة لكل من يقف إلى جانب الكيان الصهيوني.

   لكن ما هو مؤكد أن الصراع في المملكة العربية السعودية سيحدث زلزالا في الكثير من البلدان الإسلامية بسبب وجود الوهابيين والسلفيين الموالين للسعودية عن طريق ما يعتبرونهم “علماء دين”، لكن مادام سيحدث تغيير في المؤسسة الدينية السعودية بسبب الموقف من نقل السلطة من عائلة آل سعود إلى أسرة آل سلمان، أو ما يمكن أن يحدث مستقبلا، فكل تغيير في قمة السلطة السعودية سيؤثر على مؤسستها الدينية، كما سيؤثر عن طريقها في الموالين لها في البلدان الإسلامية الأخرى.

المزيد

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق