أعمدة الرأي

ماضوية مدمرة لحاضرنا ومستقبلنا

البروفسور رابح لونيسي

                                 – جامعة وهران-

 

يرسم الغرب إستراتجياته بقراءة الماضي لفهم الحاضر وبناء المستقبل، أما نحن فبقينا سجناء للماضي فقط، ليتحكم الأموات في حاضرنا ومستقبلنا كما لمح كاتب ياسين لذلك في مسرحيته “الأسلاف يزدادون ضراوة”، فكيف نفسر هذا الإحتقان الطائفي الذي نعيشه اليوم بين مايسمى ب”الشيعة”و”السنة”؟، أليس نتيجة حرب ذاكرة حول الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وأيضا حول من أحق بالخلافة بعد وفاة سيدنا محمد )ص(؟، وكيف نفسر حرب الذاكرة التي يعيشها بعض الجزائريين فيما بينهم اليوم حول تاريخ الثورة خاصة والجزائر عامة، أليس ذلك بسبب أزمة صيف 1962 التي لاتختلف نوعا ما عن الفتنة الكبرى التي عرفها المسلمون بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان؟، أليست حرب الذاكرة بين الجزائريين هي نتيجة لميلاد ثلاث خطابات تاريخية أحدها رسمي تدعمه المجموعة التي أخذت السلطة بالقوة في  1962بعد إنقلابها على المؤسسات الشرعية للثورة في 1962، والتي لاتزال هي المسيطرة على دواليب الدولة الجزائرية اليوم، وتعمل من أجل نقل السلطة لأحد فروع مجموعة وجدة، ولاتتوانى على توظيف الذاكرة كسلاح لتحقيق ذلكن وذلك بتغذية حروب الذاكرة بين الجزائريين في إطار سياسة فرق تسد، ويقابل هذا الخطاب التاريخي خطاب المعارضة للنظام الذي أسسته مجموعة وجدة في 1962، ويشبه الصراع حول الذاكرة بين هذين الخطابين نفس الصراع حول الذاكرة بين الشيعة والسنة من ناحية الشكل فقط لا الموضوع ولا المضمون، فقد وقعت كل هذه الأطراف سواء بالنسبة للتاريخ الإسلامي أو بالنسبة للتاريخ الجزائري والثورة التحريرية تحت تأثير الثقل السلبي للتاريخ بدل إبقاء تلك الفتن والصراعات في زمانها فقط، وأنها مجرد صراع حول السلطة، وقع وأنتهى في الماضي، لكننا بسبب ماضويتنا، أصبحنا ألعوبة في يد أعدائنا يلهوننا بصراعات حول شخوص وأحداث مرت عليها قرون بالنسبة للتاريخ الإسلامي أو عقود بالنسبة للتاريخ الجزائري، فحولوا الثقل السلبي للتاريخ والطائفيات والجهويات والتوهمات العرقية إلى أسلحة لتدميرنا، ألا يحق لنا الإرتياب بإختفاء قوى غربية وراء عدة فضائيات دينية “شيعية” و”سنية” تداخلت مصالحها مع صراعات أقليمية ودولية بتوظيف الطائفية والتلاعب بديننا؟ ألايحق لنا الشك في الذين يغذون حروب الذاكرة بين الجزائريين التي يمكن أن تهدد وحدة الأمة الجزائرية وتماسكها، فكم من حروب أهلية قامت بسبب حروب ذاكرة؟.

فبدل إثارة صراعات ماضوية لاناقة ولاجمل لنا فيها اليوم، يجب علينا طرح أسئلة جوهرية حولها تفيد حاضرنا، ومنها: هل كان بالإمكان تجنب حدوث الفتنة الكبرى في التاريخ الإسلامي؟ لماذا تتكرر صراعات دموية حول السلطة شبيهة بها عبر تاريخ المسلمين؟، لكن تقديسنا للماضي ورفض التناول الموضوعي البناء للصراعات المختلفة في مجتمعاتنا أبعدنا عن طرح حلول لمشكلة السلطة، فقد حال المستبدون ماضيا وحاضرا دون طرح المفكرين لهذه

المشكلة كي لايشكك في شرعيتهم، بالرغم من إشارة القرآن الكريم إلى خطورة مسألة السلطة من خلال  أكل آدم من “شجرة الخلد وملك لا يبلى”، ويقصد بالملك السلطة بمعناها الشامل، فبرزت سوأته بعد أكله منها، أي ظهور حقيقة الإنسان التسلطية في حالة الصراع حول السلطة، وقد فصلنا هذه المسألة في كتابنا “النظام البديل للإستبداد”.

فلو طرح المسلمون مسألة الصراع حول السلطة في وقتها، لسبقوا الغرب إلى الحل الديمقراطي السلمي للمشكلة، فقد أعترف الغرب بأن التناقضات المختلفة أمر طبيعي في المجتمعات، وكي لاتتكرر ظاهرة الصراع الدموي حول السلطة، أخترع الديمقراطية التي تضم التداول السلمي على السلطة بواسطة الإنتخابات وغيرها من المباديء والآليات التي لايمكن الفصل فيما بينها.

تناول بن خلدون ظاهرة تكرار الصراع العنيف حول السلطة بالتفصيل عند تناوله نشأة الدول في منطقتنا المغاربية، فأخذ الجابري نفس فكرة أبن خلدون في كتابه”العقل السياسي العربي”، فلاحظ  بقاء نفس تصرفات وممارسات المسلم السياسية منذ بدايات هذا الصراع في تاريخ الإسلام إلى اليوم، فدعا إلى القطيعة مع المحددات الثلاث لهذا العقل المتمثلة -حسبه- في”العقيدة والقبيلة والغنيمة”، وقد حاولنا تطبيق هذه المحددات على الجزائر ما بعد1962 في كتابنا “رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ” بإستبدالنا العقيدة بالأيديولوجية والقبيلة بالجهوية والغنيمة بالريع، لنتوصل عند تناولنا للسيناريوهات المستقبلية بأن الإنتقال السلمي الديمقراطي الحقيقي أصبح اليوم ضرورة حيوية  لتجنيب الجزائر التفتت والفوضى.

 

المزيد

متعلقات

إغلاق