يُجمع العارفون بتاريخ منطقة القبائل على أن الإحتفال برأس السنة الأمازيغية، عادةٌ متوارثة من جيل إلى جيل و ذلك مايعكس تمامًا أصالة المنطقة بحاضرها و ماضيها. حيث يعود بداية تاريخ أمازيغ شمال افريقيا حسب ماتداولته المصادر التاريخية إلى حوالي 950 سنةٍ قبل الميلاد، يوم قاد الملك الأمازيغي “شيشناق” معركةً ضد الفراعنة و كلّلها بالنجاح؛ ليُسجّل بذلك نقطة بداية رزنامة التقويم البربري الذي وصل عامه 2967؛ و لطالما ارتبطت رأس السّنة الأمازيغية باسم ينّاير، هذه الكلمة التي تنقسم إلى شقّين اثنين هما ؛ “ينّا” و تعني الفاتِح ..

أمّا “ير” فيُقصد بها الشهر ليكتمل بذلك معنى الفاتح من الشهر، و هي مناسبةٌ يحتفل بها الجزائريون عموما و سكان منطقة القبائل الكبرى على وجه الخصوص في سبيل إعادة بعث روحٍ جديدة في جسد تراثهم المادي الأصيل المنبثق من عمق عادات أسلافهم و التي لا تزال قائمةً إلى يومنا هذا بالرّغم من كلّ ما خلفته ريّاح المعاصرة من تغييرات حاولت إزاحة بعض العادات الأصيلة من قاموسنا، فالتّشبت بجذور التقاليد هي السّمة الأبرز في احتفالات السنة الجديدة لدى سكان المداشر و القرى، فبالرُغم من تباين امكانياتهم المادية إلاّ أن ممارسة طقوسهم المعهودة لها وقعٌ خاص عليهم؛ كإراقة الدّماء مثلاً لإبعاد العين و الحسد حيث تعمل العائلات “القبائلية” بكل ما أوتيَ لها من قدرةٍ مادية على التضحية في سبيل الّله من أجل إبعاد كل أنواع المشاكل و الفتن عنهم، فغالبا ما يلجأون لذبح ديكٍ عن كلّ رجلٍ في العائلة و دجاجةٍ عن كل امرأة؛ و ذبح ديكٍ و دجاجةٍ معا عن كل سيدةٍ حامل من لجلب البركة من خلال هذه العادات المتجذرة، و لكن يبقى الأمر المُهم و المُتفق عليه هو إسالة الدّماء رغم اختلاف نوع الأضحية، بعدها تشرع النسوة الحرائر في تحضير كلِّ ما لذّ و طاب من الأطباق التقليدية المتداولة في المنطقة على غرار “الكسكسي” و “الرشتة” الّلذان يعتبران أساس المائدة في مثل هكذا مناسبات رمزية، بالإضافة إلى أطباق “الخفاف”، “المسمّن” و البغرير (تيغريفين)، هذه الأخيرة التي تُقدّم أساسا بزيت الزيتون الجديد و ذلك من أجل استقبال سنةٍ جديدة ملؤها الصّحة و العافية و البركة في أرزاقهم خاصة بعد نهاية موسم جني الزيتون .

كما تَعمد بعض العائلات على قصّ شعر أطفالها الصّغار تيمُنًا بمستقبلٍ مرصّعٍ بالسعادة على ذويهم و لعلّ الهدف الأبرز من كل هذا، هو ترسيخ بعضٍ من مبادئهم في ذاكرة أبناء المستقبل و زرع قيمّ الأصالة. رغم كل أشكال التنوع الثقافي في بلادنا، إلاّ أننا نملك هويةٌ واحدة و تاريخًا مشتركا نفتخر به جزائر موحدة، فهنا حتما لا وجود لمجالٍ مفتوح أمام أبواق الفتنة لدسِّ سمومها بين أبناء الوطن الواحد.