على غرار السنوات الماضية، انطلقت في الأيام الفارطة في قرى ومداشر منطقة القبائل الكبرى عملية جني الزيتون  (نهاية شهر نوفمبر ) إذ تخرج العائلات القبائلية متجهةً بشكل يوميٍّ نحو حقولها و كلهم إصرار على جمع ما تيسّر من ثمار هذه الشجرة المباركة ، و ذلك بالنظرِ إلى صعوبة تضاريس المنطقة و قساوة طقسها ، فرغم كل هذه الظروف الوعرة فإن سكان ولاية تيزي وزو لا زالوا محتفظين بعادات أجدادهم التي توارثوها جيلاً عن جيل و بقيت تقاليدهم راسخة كتراثٍ ماديٍ أصيل يأبى الزّوال .
علاقة أصيلة بين السكان والشجرة المباركة
خالتي تسعديت ، امرأة طاعنةٌ في السّن تنحدر من أعالي عين الحمام بولاية تيزي وزو ، امرأة و لا كل النساء ! بلغت ربيعها الثالث بعد السبعين تبدو ملامحها و كأنها شابة في عشرينيات العمر فرغم قسوة الحياة عليها ؛ لا زالت تؤمن بضرورة العمل و الجد من أجل تجاوز المحن . و بمجرد ادراكها أننا بصدد إنجاز رييورتاج حول موسم جني الزيتون في منطقة القبائل ، أبت إلاّ أن تحدثنا عن هذا الموضوع و تبرز تمسكها بهذه العادة التي تعتبرها هوايةً منذ الصِغر ، فقد اعتادت هي و عائلتها الكبيرة على مداعبة أغصان شجرة الزيتون المباركة بقولها : ” لقد ورثت حب جني حبات الزيتون من والديَّ ، فقد حرصوا على ضرورة اصطحابي معهم كل صباحٍ إلى حقولنا الشاسعة الباردة التي تقع هناك خلف الجبال ؛ برد قارس ، معاناة حقيقية ! نعم و لكن لا مفر منها ؛ و مع مرور سنوات العمر ادركت أن زيت الزيتون خاصةفي منطقة القبائل يُعتبر ثروةً حقيقية ، لهذا حرصت على أن أعلٌم أبنائي و أحفادي هذه الحرفة كي تبقى حيّةً إلى الأبد ” . .. استوقف حديثها ابتسامة عريضة زيّنت محيّاها ، قائلة : “اييه ايوساننّي أعزيزن ” (و تلك الأيام الجميلة ) لتواصل بعدها كلامها بعد أن عادت بها الذكريات إلى عزّ شبابها فتُأكِد بأن شجرة الزيتون قديما كانت بمثابة رمزٍ للثراء و لذلك كان أسلافهم قديما يقيسون الغِنى بعدد أشجار أو حقول الزيتون التي تمتلكها العائلة الواحدة .. ضف إلى ذلك أن زيت الزيتون هو من بين أكثر الزيوت صحيةً على الإطلاق وغالبا ما يستخدمه السكان المحليون كوسيلةٍ للتداوي أو لتحصين أنفسهم من عدة أمراض مستعصية و يصعبُ إيجاد حلٍ لها ، حيث لا يتوانون في خلط بعض الأعشاب بكمية معتبرة من الزيت لاستعمالها كدواءٍ فعال ، كما يعتبرونه سيّد مائدتهم و رأس مال العائلات التي تسترزق من خلال بيعها لهذه المادة النباتية مستفدين من ثمنه الباهض و كذا فوائده المتعددة و ندرته في عدّة مناطق جزائرية .
المعاصر الحديثة لم تنهي عهد “أمورج”.
و ينتشرُ على نطاق واسع من منطقة القبائل؛ غطاءٌ هائل و متنوّعٌ من أشجار الزيتون وهذا الاختلاف يتحكم فيه عامل التربة بشكلٍ رئيسي مايؤدي حتما إلى اختلافٍ في لونِ الزيت المُستخلص بين الأصفر ، الأسود و البنيّ ؛ كما تؤثر في مدى سهولة أو صعوبة عملية جنيِه أيضا . تبدأ عملية الجني في الصباح الباكر حيث تشرع العائلات بعد وصولها إلى الحقول بفرشِ غطاءٍ كبير الحجم تحت الشجرةو ذلك للحد و لو بالشكل القليل من ضياع حبات الزيتون ، لتبدأ بعدها في ضرب الأغصان لإسقاط الثمار و لكن بطريقة جدُ حذرة لتمنع من تلف الحبات أو جرحها و هي طريقة صعبةٌ و شاقةٌ نوعا ما مقارنةً بمن يلجأون إلى استعمال الآلات الحديثة للتسهيل من هذه العملية التي تتواصل إلى غاية غروب الشمس . بعدها تُحمل حبات الزيتون المجمّعة يوميا داخل أكياسٍ بلاستكية إلى المعاصر على اختلافها ( التقليدية او الحديثة ) كلٌ حسب إمكانياته المادية. فالتقليدية منها و التي تُعتبر ملجأ العائلات ميسورة الحال أو الفقيرة منها . تبدأ عملية العصر بتنقية حبّات الزيتون الناضجة من الزوائد ( أوراق الأشجار ؛ حصى .. الخ ) ليتّم بعدها غسلها بالماء الساخن و تجفيفها بشكل كلي فتوضع مباشرة داخل طاحونةٍ تقليدية الصنع لغرض طحنها ، و تُستعمل لهذه الغاية عجلتين حجريتين كبيرتي الحجم يجرُّهما حصان ؛ حيث تقومان بعملية الخلط و تحويل الحبات إلى عجين أو ما يُعرف لدى سكان المنطقة ب”أَمُورج” . بعدها تأتي المرحلة الأخيرة حيث يتّم فيها و ضع العجين المستخلص بين أقراصٍ مُشكلةٍ من ألياف الحلفاء المثقوبة في الوسط لتوضع بدورها الواحد فوق الآخر داخل آلةٍ عالية الظغط مايسمح باستخلاص زيت الزيتون “الخام” الذي يُحافظ عليه فيما بعد داخل وعاءٍ كبير الحجم مصنوعٍ من الطين و يُطلق عليه اسم “أشبايلي” و هو الحيّز المناسب له . بعد نهاية موسمِ جني ثمار الزيتون و عصره ( منتصف شهر فيفري تقريبا ) تشرع معظم القرى و المداشر في تحضير أطباقٍ متنوعةٍ ؛ احتفاءً بقدوم غلتهم حيث تعم مشاعر الغبطة و السرور جُلّ أركان القرية و تليها زغاريد النساء و كلهم شاكرين اللّه على النعمة التي أنعمهم بها . بعدها يتّم الشروع في تحضير بعض المأكولات التقليدية ، و لعّل الطبق الأوّل الذي تشرع النسوة في تحضيره هو “تيغريفين” أو البغرير الذي يغمس في زيت الزيتون الجديد بالإضافة إلى الكسكسي و طبق البركوكس ؛ و تعمد العائلات تبادل الطّعام فيما بينها لتقوية سُبُل المحبة و الرحمة بينهم .
” تيمشرط ” .. جسرٌ للتآزر بين الأغنياء و الفقراء
 

اعتاد رجال منطقة القبائل الكبرى على تنظيم عادة ” الوزيعة ” لترسيخ قيم التعاون فيما بينهم ، حيث يجتمعُ أعيان و مشايخ القرية في مكانٍ خاصٍ بهم يدعى “تاجماعت” ، أين يقومون بتبادل أطراف الحديث و أخذ المشورةِ من كبار “الدشرة” و ذلك بصدد إقامة وليمة كبيرة يجتمع فيها الفقراء و الأغنياء في مكان واحد ، فهنا حتما لا مجال للتفريق بين أحد ! ؛ “تيمشرط” و التي يبدأ التحضير لها بتنظيف الشباب للساحة الرئيسية في القرية ، ثم تليها عملية جمع أموال و صدقات المحسنين من أثرياء القرية فيُشترى بثمنها عدد معتبرٌ من الخرفان التي تسدّ حاجياتهم . و لمّا يحين موعد الذبح يتجمع كل أعيان القرية في مكان واحدٍ يشكرون فيه الله بالصلاة و الدعاء على نعمه التي لا تُحصى ؛ بعدها يتّم مباشرة توزيع اللحوم بعد تقسيمها بكميات متساوية و إعطاء لكل عائلة نصيبها بما فيهم الأثرياء ، كما تقوم النسوة الحرائر في نفس الوقت بتحضير مجموعة من الأطباق التقليدية التي تشتهر بها المنطقة إحياءا لعاداتهم و يسألون الله أن يزيدهم من فضله و يرزقهم من خيراته أعواما أخرى . ممّا لا شك فيه أن أصالة بلاد القبائل ، أصالةٌ مُتجذرةٌ من عمق التاريخ ، من عمقِ التمسك بالعادات و التقاليد و الحفاظ عليها من ثقافة الإندثار التي خلِّفتها رياحُ المعاصرة ، فلا زالت مظاهرُ الأُلفة، المحبة و التعاون بين السٌكانِ قائمةً تروي لنا قِصصًا و حكايا من روح الزمن الجميل .