نشرت صحيفة العربي الجديد تحقيقا مطولا عن المعتقلين الذين تم سجنهم مطلع التسعينات ولم يشملهم قانون المصاحة الوطنية، وتطرق التحقيق إلى مصابين بأمراض منها الجنون مازالوا يقبعون في الزنازين، حيث وجهت عائلاتهم نداء استغاثة لرئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، لإصدار عفو عنهم.

التحقيق كاملا:

لم يتعرف المعتقل الجزائري محمد رمادة على شقيقه بلال ووالدته لدى زياتهم له في سجن عنابة شرق الجزائر، بعد خمسة أعوام من اختفائه قسريا، إذ اعتقدت الأسرة أن ابنها توفي في اشتباك مسلح عام 1996، وفق ما أبلغهم به أمن مدينة الأغواط الواقعة في الجنوب الغربي للجزائر. غير أن مكالمة هاتفية نهاية ديسمبر/كانون الأول 1999 أكدت وجوده في سجن عنابة.

حُكم على محمد بالإعدام من طرف مجلس قضاء عنابة في 26 مايو/أيار 2002، وبسبب حرمانه من لقاء عائلته، فقد عقله كما يقول شقيقه بلال لـ”العربي الجديد”. وأضاف “محمد مختفٍ منذ عام 1994، وأدت العائلة صلاة الغائب على روحه بعد إبلاغنا من قبل الأمن بوفاته عام 1996، إبان الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر أو ما يعرف بالعشرية السوداء. (وقعت أحداثها ما بين 1990 و2000)، وحتى اليوم لا يزال محمد محتجزا على الرغم من إصابته بالجنون”.

قضايا عالقة بعد 25 عاماً

يقبع 145 معتقلا أصدرت بحقهم المحاكم العسكرية والمدنية الخاصة (أسست بعد إعلان حالة الطوارئ عام 1991 وتم إلغاؤها بعد سنوات قليلة)، أحكاما طويلة الأمد بينها الإعدام والذي ينطق ولا ينفذ في الجزائر. وتعرض 32 منهم لأمراض خطيرة داخل السجون أهمها فقدان الذاكرة وفق توثيق ميداني أجرته تنسيقية عائلات سجناء المأساة الوطنية، (منظمة حقوقية أهلية جزائرية).

ويؤكد منسق عائلات السجناء مصطفى غزال، في لقاء مع “العربي الجديد”، أن متعاطفين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة تم اعتقالهم قبل وبعد إلغاء انتخابات يناير/كانون الثاني عام 1992، وما زالوا يقبعون في سجون جزائرية عدة على خلفية استثنائهم من قانون المصالحة الوطنية، الذي صدر بعد موافقة الشعب الجزائري عليه في استفتاء 29 سبتمبر/أيلول 2005.

وشرعت مصالح الأمن، بعد إيقاف المسار الانتخابي، في متابعة المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في مارس/آذار 1992، بتهم مختلفة “أهمها المساس بالأمن العام والإرهاب وصدرت بحقهم أحكام ثقيلة”، كما يقول بادي عبد الغاني رئيس مكتب العاصمة في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ويؤكد أن الأحكام التي صدرت من قبل المحاكم العسكرية والخاصة، التي أنشأت في تلك الفترة بقيت محل جدل بين رجال القانون، ما حال دون تنفيذ قضايا الإعدام، فيما تفاقمت معاناة المعتقلين والأهالي طوال هذه الفترة الطويلة من الحبس والتغييب وراء القضبان.

 
العائلات تستغيث

تصف أسر عائلات المعتقلين السياسيين، أبناءهم بـ”الموتى الأحياء”، إذ على الرغم من استمرارهم على قيد الحياة، قطع فقدانهم لتوازنهم العقلي وذاكرتهم داخل السجون كل ما تبقى من علاقة تربطهم مع عائلاتهم، ومن بينهم ابن الحاجة السبعينية بن هني خيرة التي رفعت صوتها في الهاتف لسرد قصة ابنها. وقالت “ابني بودواية لعرج المسجون منذ عام 1992 يرفض استقبالي في سجن البرواقية (تبعد عن العاصمة الجزائر 108 كيلومترات)، واكتفيت في آخر زيارة له منذ ثلاثة أشهر بترك القفة (المؤونة التي تزود بها العائلات أبناءها المسجونين) لدى حراس السجن.

تعود الأم إلى قضية ابنها (مواليد عام 1967) وتؤكد أنه كان بصحة جيدة وأدى الخدمة العسكرية بشكل عادي، لكن حكم الإعدام الذي صدر بحقه بتهمة الإرهاب من المحكمة العسكرية، عرّضه لمضاعفات نفسية حادة تطورت مع الوقت إلى فقدان العقل نهائيا.

ويقبع الطاهر عبد القادر، (مواليد عام 1948) في سجن عين وسارة (وسط البلاد)، بعد حكم بالإعدام أصدرته ضده أحد المحاكم العسكرية، ويعيش على كرسي متحرك كما يعاني من أزمات نفسية وفقدان للذاكرة حسب شهادة ابنه التي أدلى بها لمعد التحقيق.

ويشدد نجل السجين المسن أنه وإخوته يعتقدون أن والدهم المقعد شارف على الموت بسبب ظروفه الصحية، إذ تم حجزه في الإنعاش مرتين في فترة سجنه. ويرفع نجل عبد القادر نداء للرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، لإصدار عفو عن أبيه وبقية المعتقلين في بداية الأزمة نتيجة عدم تورطهم في أعمال إرهابية بشكل مباشر، على حد قوله.

انهيار نفسي

عام 2006، شاركت الأخصائية الاجتماعية، أمينة حريش، في تدريب مديري المؤسسات العقابية ضمن برنامج تدريبي نظمته وزارة العدل، يهدف إلى تطبيق القانون مع مراعاة الجانب الإنساني.

وترجع حريش وهي أستاذة جامعية في جامعة العفرون غرب الجزائر العاصمة، وجود حالات جنون وفقدان للذاكرة بين سجناء التسعينات بسبب الأحكام الطويلة الأمد التي أدت بالسجين إلى اختيار “الهروب من الواقع” كآلية للدفاع عن وجوده. وأكدت أن السجون الجزائرية في التسعينات كانت سببا في تردي الحالة النفسية لهؤلاء السجناء، بسبب سوء التسيير وانعدام المرافقة النفسية والاجتماعية داخلها.

وبعد تردد أجاب رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، (تابعة لرئاسة الجمهورية) فاروق قسنطيني، عن سؤال لـ”العربي الجديد” حول وضعية سجناء بداية الأزمة الأمنية قائلا “صراحة أعتبرهم معتقلين سياسيين وقد قبلت طلبات قدمتها تحت هذا العنوان من قبل عائلاتهم التي زارتني. ورفعت تقريرا خاصا إلى رئيس الجمهورية لإطلاق سراحهم خصوصا في ظل الوضعية الصحية الصعبة لأغلبهم”.
أما المحامي والحقوقي، عمار خبابة، يعتقد أن وصف هؤلاء بـ”المعتقلين السياسيين” في تقديم قضيتهم للرأي العام “الغرض منه فرزهم عن الفئات الأخرى التي ارتكبت مجازر جماعية، أو قاموا بانتهاك الحرمات، أو استعملوا المتفجرات في اعتداءات على أماكن عمومية”.


إقصاء من المصالحة الوطنية

اعتمد المشرع الجزائري في قانون المصالحة الوطنية، المادة 87 من قانون العقوبات الجزائري والتي تعرف الأفعال الموصوفة بالإرهابية، مرجعا في العفو عن المتورطين في هذا النوع من الأفعال، بحسب إفادة قدمها المحامي خبابة لـ”العربي الجديد”. ويضيف القانوني الجزائري أنه “تم استثناء الذين تمت معاقبتهم من قبل المحاكم العسكرية أو الخاصة بنصوص قانونية أخرى غير المادة 87 رغم أنهم لم يرتكبوا مجازر ولم يشاركوا في أعمال قتل”.

تم استثناء الذين تمت معاقبتهم من قبل المحاكم العسكرية أو الخاصة بنصوص قانونية أخرى ويحمّل خبابة جميع من لهم صلة بإعداد نص قانون السلم والمصالحة الوطنية مسؤولية ما وصفه بـ”الخطأ الكبير” الذي تسبب في بقاء العشرات من معتقلي المحاكم الخاصة، في السجون، سواء تعمد المشاركون في إعداد القانون ذلك، أو كان سهوا منهم، على حد قوله.

في المقابل، ذكر رئيس الوزراء الجزائري، عبد المالك سلال، في رد كتابي على سؤال في البرلمان مطلع العام الماضي أن “الحكومة عملت منذ صدور الأمر الرئاسي 06-106 (إنفاذ قانون المصالحة الوطنية)، على تمكين كل الأشخاص الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية من دون استثناء، من تدابير المصالحة”. وفي نفي واضح لأحقية هؤلاء السجناء بالاستفادة من قانون المصالحة الوطنية، شدد سلال على أن “تطبيق القانون لم يعرف أي عوائق حالت دون معالجة كل الملفات المطروحة”.

قضية معقدة وآمال معلقة

يعتبر الحقوقي قسنطيني أن تطبيق قانون المصالحة الوطنية على المحكوم عليهم من قبل المحاكم الخاصة والعسكرية “حتمي”. كما يفتح باباً آخر لإنهاء ما يقول عنها “معاناة عائلتهم الذين استقبل شكواهم أكثر من مرة”، عبر الإفراج عنهم بعفو لأسباب صحية. ويقول قسنطيني في هذا الصدد إن “الجزائر دولة قانون وتحترم حقوق الإنسان وإن أرادت السلطة فعلا تجسيد ذلك في هذا الملف عليها تطبيق الأمر على سجناء المحاكم العسكرية والخاصة”.

ويذهب رئيس مكتب رابطة حقوق الإنسان بالعاصمة المحامي بادي عكس ذلك، إذ يرى أن التركيز على أحقية هؤلاء بالاستفادة من تدابير المصالحة الوطنية أفضل من الناحية القانونية من التركيز على أوضاعهم الصحية بحجة أن “القانون الجزائري ينص على ضرورة توفير العلاج للمسجون، لكنه لا ينص على ضرورة الإفراج وإنهاء المحكومية لسبب صحي”.
ويستغرب خبابة العفو عن أشخاص صعدوا إلى الجبل وشاركوا في عمليات قتالية وعسكرية ولا يُعفى عن المنتمين في بداية العمل المسلح إلى تنظيم سياسي، ولم يشاركوا في أي عمل إرهابي أو تخريبي ضد المواطنين وممتلكات الدولة.

وساطات شخصية تبقى الأمل الوحيد

يؤكد منسق عائلات السجناء، أنهم يتلقون تطمينات غير رسمية من قبل مسؤولين لحل قضية سجناء المحاكم العسكرية خصوصاً من فقدوا عقولهم، ويقول غزال إن الباب الوحيد الذي بقي مفتوحا هو “الوساطات الشخصية” التي أثمرت حل بعض القضايا منها تدخل مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى لحل قضية أحد المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي المدعو محمد حصار والذي أطلق سراحه قبل سنوات قليلة بعد أن سلم القيادي السابق في حزب الإنقاذ المحظور الهاشمي سحنون ملفه لأويحيى خلال مشاورات تعديل الدستور سنة 2014.

في هذا الصدد، يكشف البرلماني، حسن عريبي، لـ”العربي الجديد” عن فحوى رسالة وجهها للرئيس الجزائري بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ناشده خلالها إصدار عفو رئاسي عن 29 مدانا من محاكم خاصة في تسعينيات القرن الماضي معظمهم يعانون الجنون وفقدان الذاكرة. ويضيف عضو لجنة الدفاع الوطني بالبرلمان أنه طلب أخيراً لقاء رئيس الوزراء، عبد المالك سلال، لوضع حد لمعاناة سجناء تركوا خلفهم أطفالا رضع هم اليوم في سن الزواج.

ويلح البرلماني على الحكومة ضرورة “إغلاق الملف في الآجال القريبة لسد الأبواب على أعداء الجزائر في الداخل والخارج الذين يريدون فتح الجراح القديمة التي تتسبب في آلام كبيرة للشعب الجزائري”، وهو ما تتمنى الحاجة خيرة تحققه، حتى يشيّعها ابنها لعرج إلى مثواها الأخير حين يحين الأجل.