نشرت جريدة العربي الجديد تحقيقا مطولا تطرقت فيه إلى قضية التلاعب بتأشيرات الحج في الجزائر، ووثق معد التحقيق عبر فيديو عمليات السمسرة من خلال نتحاله لصفة راغب في الحج، كما أدلى بن عمارة إدريس وهو احد الحجيج بشهادته حول إحتيال كبير تعرض له حجاج وصلوا السعودية واكتشفوا ان تأشيراتهم تجارية.

نص التحقيق كاملا

بمرارة يروي الستيني الجزائري بن عمارة إدريس، تفاصيل عملية النصب التي وقع فيها على يد أحد العاملين في وكالة للسياحة والسفر، إذ اتفق معه على تنظيم رحلته للحج مقابل 850 ألف دينار جزائري، ما يعادل 7700 دولار أميركي، غير أنه فوجئ لحظة وصوله إلى مطار القصيم في السعودية، بأن التأشيرة التي بحوزته تجارية، ولا تمكّنه من دخول المشاعر المقدسة.

ما جرى لإدريس ليس واقعة فردية، إذ تكرر مع 47 جزائرياً، ينحدرون كلهم من ولايات الجنوب الشرقي، وكانوا قد رافقوه على نفس رحلة مصر للطيران المتوجهة من الجزائر إلى السعودية، وتعرّضوا للخداع من قبل وكالات السفر، وفقاً لما أكده لهم رجال الأمن السعودي، قبل أن يتدخل ديوان ولي العهد السعودي، ويتم السماح لهم بأداء الشعائر.

اصطياد الراغبين في الحج

قرب السفارة السعودية في بن عكنون، غربي العاصمة الجزائر، التقى معد التحقيق، في الأسبوع الأخير من أغسطس/آب، وسيطاً يعمل على اصطياد زبائنه من عشرات المواطنين الذين يصطفون أمام مبنى السفارة على أمل استفادتهم من تأشيرات المجاملة التي تقدمها السفارة سنوياً كهدية مجانية لبعض الحجاج، خارج الحصة الجزائرية الرسمية من تأشيرات الحج والتي تبلغ 28720 تأشيرة سنوياً، بحسب مصطفى حيداوي المكلف بالإعلام في الديوان الوطني للحج والعمرة (هيئة حكومية).

قدم السمسار نفسه باسم محمد الطاهر، مقدماً وعداً لمعد التحقيق الذي تقمص دور الزبون، بتوفير تأشيرة الحج والإقامة في البقاع المقدسة مقابل تسعين ألف دينار جزائري ما يعادل 8200 دولار، من خلال ما يقول إنها “تأشيرة الأمير”، بينما يجيب عن سؤال حول إمكانية الحصول على دفاتر حج نظامية (تأشيرة)، قائلا كما يظهر في الفيديو المرفق “بالتأكيد الوقت أصبح متأخراً جداً على العملية، بقيت ساعات فقط لإتمام إجراءات الحج النظامي”.

خلال الجلسة اتصل محمد الطاهر، بمسؤولة في وكالة سياحية، أخبرها أن لديه زبونين ثم تكلم معها معد التحقيق وحصل على وعد بالسفر للحج، رغم ضيق الوقت، وفي اليوم الموالي خلال لقاء مع الأربعينية نادية في مكتبها ببرج الكيفان شرق العاصمة، شددت على عدم بيعها لتأشيرات تجارية مثل الوكالات الأخرى، مؤكدة أن لديها تعاملاً مع شركة سياحة سعودية، تقوم الأخيرة عبر وسطاء بتقديم رخص استضافة للحجاج وتتقاسم معهم الأرباح.

أطلعتنا السيدة على وثيقة مختومة تتضمن قائمة تضم ستة أشخاص وصلتهم الموافقة من ديوان الحج السعودي ويظهر من الوثيقة اسم المستضيف الذي تتحفظ عليه “العربي الجديد”. وبشأن المبلغ الإجمالي المترتب عن كل قاصد لبيت الله الحرام، تقول السيدة: “أسعار الصرف في السوق السوداء غير مستقرة نأخذ بالعملة الجزائرية ما يقابل 6 آلاف دولار، عن كل جواز نستخرج لصاحبه تأشيرة، مع ضمان إقامة في فنادق بمكة والمدينة”.

900 ألف مشارك بالقرعة

يؤكد المكلف بالإعلام في الديوان الوطني للحج والعمرة، أن ديوان الحج والعمرة، لا يتحمل مسؤولية الحجاج غير النظاميين الذين لا يملكون دفاتر الحج، ولا يبدي حيداوي في لقائه مع العربي الجديد، اهتماما بموضوع التلاعبات الجارية في ملف الحج مستنداً لوضوح مهام الهيئة التي تتمثل أساساً في خدمة الحجاج والمعتمرين ومنح اعتماد للوكالات لتنظيم الحج والعمرة ومرافقتها وذكر في هذا السياق أنه قد تم منح اعتماد لـ 62 وكالة لتنظيم موسم الحج الحالي.

وقال حيداوي، “وزارة الداخلية والجماعات المحلية أشرفت على توزيع حصة الجزائر، من تأشيرات العمرة، على المواطنين عبر القرعة، بينما تم توزيع عدد من التأشيرات على إطارات الدولة (المسؤولين)”.

مطلع العام شارك 900 ألف حاج، في القرعة بعد التسجيل الإلكتروني على موقع ديوان الحج، وعقب الفوز، تم منح الفائزين دفاتر حج مدون عليها معلومات الحاج وكل الإجراءات الطبية المطلوبة، كما دفع الفائزون 370 ألف دينار (قرابة 3400 دولار أميركي)، بحسب المكلف بالإعلام في الديوان الوطني للحج والعمرة.

من جهته، يحذر إلياس سنوسي رئيس نقابة وكالات السياحة من انتشار ظاهرة الاتجار في تأشيرات الحج في موسم 2016، قائلا لـ”العربي الجديد”:”وكالات طفيلية لا تملك اعتماداً لتنظيم الحج، تتاجر في التأشيرات وبعضها هو الذي تورط في منح الحجاج تأشيرات تجارية لا تسمح لهم بأداء المناسك”.

غياب المساواة

تصف النائبة في البرلمان الجزائري، سميرة ضوايفية، عملية توزيع دفاتر الحج خارج نظام القرعة (خمسة آلاف تأشيرة) على الوزراء والنواب والإطارات السامية (كبار المسؤولين) في الحكومة بالأمر الذي يعكس “مظاهر اللاشفافية وتفشي ثقافة الريع حتى في مجال العبادات”.

وتكشف النائبة أنها حازت تأشيرتين، على غرار باقي نواب البرلمان الجزائري الذي يضم 462 نائبا ونائبة، غير أن ضوايفية نظمت قرعة في مقرها الانتخابي كانت قد أعلنت عنها في صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، بسبب تزايد طلبات المواطنين منها لتوفير تأشيرة لهم أو لأقاربهم، وهو ما جعلها غير قادرة على اختيار أحدهم دون شفافية، “كانت فكرة القرعة لتحقيق مبدأ الإنصاف ولو على مستوى ضيق محدود” أفضل البدائل المتاحة.

ويقدر مصطفى عطوي، رئيس الجميعية الوطنية لمكافحة الفساد، (منظمة غير حكومية)، حجم التلاعب في تأشيرات الحج، بخمسة ملايين دولار، استناداً إلى متوسط سفر ألف حاج، كل منهم يدفع مبلغ خمسة آلاف دولار، عبر وسطاء ووكالات سياحية لا تملك رخصاً لتنظيم عملية الحج.

ويصف عطوي، مساومة الحجاج بمبالغ مضاعفة، من أجل تمكينهم من أداء الركن الخامس للإسلام، بالفساد الصريح، والذي يرجع إلى غياب الرقابة على نشاط الوكالات السياحية.


النصب على الحجاج يصل إلى المحاكم

تعد القضية التي عرضت في محكمة سيدي أمحمد في العاصمة الجزائرية قبل 10 سنوات من أشهر قضايا النصب على الجزائريين الحالمين بالحج، بحسب المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، عمار خبابة، الذي ترافع عن أحد الضحايا، الـ 400 والذين ينتمون إلى ولايتي ورقلة وغرداية جنوب الجزائر، والذين تعرضوا لتزوير تأشيراتهم.

ويسترجع خبابة منظر وصول الضحايا من المتلهفين على الحج، إلى محكمة العاصمة، إذ لم تكفي قاعة المحكمة للسيل البشري الحاضر من الضحايا وعائلاتهم، الذين خدعهم زوجان قاما بتزوير تأشيرات الحج، بمساعدة موظف سابق بالسفارة السعودية استعمل ختماً اتضح أنه تم الإبلاغ عن فقدانه، وتم كشف عملية الاحتيال بمصادرة الجوازات من قبل الأمن الجزائري لحظة دخول الضحايا إلى مطار هواري بومدين في العاصمة الجزائر.

القضية الثانية وقعت لسيدة حصلت برفقة عشرات الجزائريين الذين عزموا على الحج على تأشيرات من سفارة المملكة السعودية في دولة أفريقية بوساطة من وكالة سياحية جزائرية، ورفضت شرطة الحدود السماح لهم بمغادرة المطار الدولي في العاصمة الجزائرية باتجاه البقاع المقدسة كون التأشيرة يكتنفها غموض، ويذكر المحامي خبابة أنه ترافع في عام 2011 نيابة عن إحدى الضحايا، التي أصرت على متابعة الوكالة السياحية، رغم تمكنها من ركوب الطائرة على خلاف زملائها الذين منعوا من مغادرة الجزائر، وصدر بعدها حكم بإدانة صاحب الوكالة بالسجن مع إلزامه بدفع تعويض للضحية.

ويؤكد خبابة أن الحصول على مبالغ مالية من أجل ترتيب رحلة حج دون الوفاء بذلك، يعتبر خيانة أمانة ونصب واحتيال، وكلها جنح يعاقب عليه القانون الجزائري بالحبس والغرامة. ويؤكد ضرورة عدم إيهام المتعامل مع الحجاج المفترضين بأن وكالة السفر، معتمدة من السلطات الجزائرية وإلا يصبح الأمر نصباً وإحتيالا.

تحريم شرعي


يرى محمد الشريف بن عيسى، إمام مسجد أبو بكر الصديق في قسنطينة شرقي الجزائر، أن المتاجرة في تأشيرات ودفاتر الحج غير جائزة شرعا لما تخلفه من ضرر، وينبه إلى اشتراك الطرفين (المشتري والبائع) في استعمال طرق غير شرعية لأداء شعيرة الحج. ويقترح إمام مسجد أبي بكر الصديق، تشديد العقوبات وإصدار تشريعات قانونية للحد من الظاهرة، ويضيف قائلا: “تفاقم عمليات النصب والاحتيال وانتشاره كل موسم حج، يحول أمام فعالية الوعظ والإرشاد ولا مناص من سلطان القانون”.