نشرت جريدة  العربي الجديد حلقة من الجزائر ضمن تحقيق موسع حول تغلغل منظمة الخدمة التي يقودها الداعية الصوفي فتح الله غولن في عدة دول، وسلط التحقيق الضوء على مؤسسات مالية يمتلكها مقربون من التنظيم في الجزائر بالإضافة إلى كشف علاقة أحد قيادات خدمة بمؤسسات تربوية يسيرها خواص تشرف على مشاريع في عدة مناطق من البلاد.

التحقيق كاملا:

يبدي عدة فلاحي، المستشار السابق لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، قلقاً كبيراً على ما يصفه بـ”المرجعية الدينية” في بلاده، بسبب ما يقول إنه “تغلغل ناعم لجماعات أجنبية، منها تنظيم الخدمة الذي يقوده الداعية التركي فتح الله غولن، وسط المجتمع الجزائري”.

ويعتبر فلاحي أن مكمن الخطورة يتمثل في اشتغال تلك الجماعات في السياسة عبر بوابة العمل الخيري والتربوي، في ظل ضعف سلك التفتيش في وزارة الشؤون الدينية الجزائرية، “ما يجعل الباب مفتوحاً أمام نشر أفكار مستوردة، ذات امتداد دولي، من شأنها، زعزعة المرجعية الدينية الوطنية”، على حد قوله، وهو ما يرفضه رجل الأعمال التركي المقيم بالجزائر حميد أولغن، قائلا لـ”العربي الجديد”:”فكر الأستاذ غولن يدعو للتعايش مع الآخر”.

 

الفيلا رقم 68 في حي دالي إبراهيم

يوصف حميد أولغن بين مواطنيه الأتراك المستقرين في الجزائر بـ”الخوجة” أي المعلم، وهو ما يجعله أكبر رأس تبدو على السطح في تنظيم الخدمة بالجزائر، كما وثق معد التحقيق، إذ يشرف أولغن على مهام عدة تتمثل في تنظيم النشاطات الخيرية والعلمية وتوزيع مجلة حراء الناطقة باسم التنظيم والإشراف على المعاملات الاقتصادية الخاصة برجال الأعمال الأتراك الموالين لغولن.

ويتخذ “الخوجة” أولغن من الفيلا رقم 68 في بلدية دالي إبراهيم، غرب العاصمة الجزائرية، المسجلة تجاريا عنوانا إداريا لشركة ميدياتيك، المختصة في الإعلام، مقرا يوجد فيه أغلب الوقت، فيما تغيب لافتة شركة “ميدياتيك” من على الفيلا الفخمة التي دخل إليها “العربي الجديد”، وبحسب أولغن الذي التقاه معد التحقيق في استراحته بالطابق الثاني في الفيلا فإنه: “مجرد رجل أعمال يمتلك شركتي ميدياتيك التي تنظم نشاطات تجارية وثقافية، وشركة البرج المختصة في التعليم والسياحة، وهي مجالات تركز عليها قيادات الخدمة المنتشرة في جميع أنحاء العالم”، ويجيب على سؤال حول علاقته بتنظيم خدمة، قائلا:”أنا محب ومدافع عن فكر الأستاذ فتح الله غولن”.

وتولي جماعة الخدمة أهمية كبرى للجانب الاقتصادي والمالي، بحسب الباحثة الجزائرية في العلاقات الدولية، بجامعة كادير هاس التركية، آمال وشنان، وترجع الباحثة الجزائرية، التي صدر لها دراسة عن الجذور التاريخية لجماعة الخدمة ورؤيتها وتنظيمها، ذلك الأمر، لمحاولة الجماعة ضمان التمويل الذاتي، لتفادي أي ضغط أو مساومة يمكن أن يقع فيها التنظيم الذي صنفته الحكومة التركية في شهر مايو/أيار الماضي رسمياً كمنظمة “إرهابية”.


إمبراطورية غولن المالية في الجزائر

في التاسع من مايو/أيار من عام 2016، انسحب رجل الأعمال الجزائري ومالك صحيفة الديار، جمال سعدي من حفل تأسيس الغرفة التجارية الجزائرية التركية المنعقد في فندق الأوراسي، بعد أن أثار ريبته “انعدام العلاقة بين أفكار حزب العدالة والتنمية التركي، وما يراه عدد من الفاعلين في الشركات التركية بالجزائر، وهو ما ظهر في أحاديث مسؤولي هذه الشركات التي بدت شديدة المعارضة للحزب الحاكم في بلادهم وللرئيس التركي أردوغان”، كما يقول.

ويفتخر حميد أولغن بكونه “لعب دوراً مهماً في فتح فرص الاستثمار للشركات التركية في الجزائر”، وتعد شركة أطلس التي يقع مقرها في بئر مراد رايس وسط العاصمة الجزائرية ويديرها يلماظ دوهان، صهر يونس دوهان، المقيم في الولايات المتحدة، وأحد المساعدين الرئيسيين لفتح الله غولن، أهم الشركات المحسوبة على تنظيم الخدمة في الجزائر، كما وثق معد التحقيق.

وأشرفت مؤسسة أطلس للهندسة المدنية على مشاريع مهمة في الجزائر، منها بناء فنادق وجامعات ومجمعات سكنية في الغرب الجزائري، أحدث تلك المشاريع الكبرى جرى التوقيع عليها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة المتهم فيها تنظيم الخدمة في تركيا، في 26 يوليو/تموز الماضي، “إذ صادق مجلس الوزراء الجزائري المنعقد برئاسة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة على صفقة بالتراضي (بدون المرور في إجراءات المناقصات) استفادت منها شركة أطلس لبناء 4400 مسكن في بلدية مفتاح (تبعد عن العاصمة 26 كيلومتراً) بقيمة وصلت إلى 12 مليار دينار جزائري (109 ملايين دولار)”، وفقاً لبيان مجلس الوزراء الجزائري الصادر في اليوم ذاته.

وتمتلئ مكتبة الشركة في العاصمة الجزائرية بكتب فتح الله غولن، بحسب إفادة قدمها زوارها لـ”العربي الجديد”، فيما تقدم الشركة تلك الكتب للزائرين من المقاولين ورجال الأعمال الجزائريين.

وتعد شركة نيل ألمونيوم المختصة في تجهيز المباني إحدى الشركات المحسوبة على تنظيم الخدمة، وفازت الشركة بصفقتي إنجاز توسعة المستشفى العسكري بعين النعجة بالعاصمة الجزائرية، وكلية العلوم الطبية بمنطقة بن عكنون غرب العاصمة الجزائرية، حسب إفادة مصدرين متطابقين عملا مع حميد أولغن، “خوجة” تنظيم الخدمة في الجزائر.

ويؤكد رجل الأعمال جمال سعدي، الذي شارك رجال أعمال أتراكاً في محاولات تأسيس الغرفة التجارية الجزائرية التركية، أن ما يُفرق الشركات التركية الموالية لغولن عن الشركات الأجنبية الناشطة في الجزائر، هي أن الأولى كبرت في السوق الجزائرية، التي بدأت فيها صغيرة، ثم ما لبثت أن توسعت بفضل تنسيق يجري بين هذه الشركات، عبر نظام إدارة أعمال مركزي يتم من خلاله توزيع المشاريع من الباطن بين رجال أعمال مقربين من غولن ما أدى إلى خلق إمبراطورية ضخمة من البزنسة.

مدارس غولن الجزائرية

في عام 2003 أسس رجال أعمال أتراك مدرسة برباروس، في بلدية دالي إبراهيم الراقية، التي تحتضن معظم نشاطات جماعة الخدمة ومقار إقاماتهم، بحسب ما وثقه معد التحقيق، ضمن زيارته للبلدية، إذ تضم مقر شركتي ميدياتك والبرج ومدرستين تابعتين للتنظيم ودار إقامة لطالبات تركيات تابعات للتنظيم، وغير بعيد عنها في بلدية الشراقة، يقع معهد تعليم اللغة التركية، التابع للجماعة، وهو ما يوافق آلية عمل الجماعة في بلدان عدة، كما رصدها ملف “العربي الجديد”، إذ تلجأ إلى إطلاق مركز خاص بها لتعليم اللغة التركية، ينافس مراكز “يونس إمرة” الحكومية في ذات الهدف في مختلف الدول التي توجد بها، ومن بينها الجزائر.

وبادرت السلطات الجزائرية إلى إغلاق مدرسة برباروس في عام 2006 بسبب وجود مخالفة تمثلت في استقبال طلاب جزائريين، في حين أن ترخيصها الصادر كان على أساس أنها مدرسة أجنبية، ما يعني تخصيصها للطلاب الأجانب في الجزائر، بحسب ما نشرته وسائل الإعلام الجزائرية وقتها، وعاود رجال الأعمال الأتراك المقربون من تنظيم الخدمة عن طريق مالك شركة ميدياتيك وضع ملف جديد في وزارة التربية الوطنية، لإنشاء مدرسة دولية ضخمة في عام 2009 غير أن ذلك اصطدم برفض مطلق من وزير التربية الجزائري حينها أبو بكر بن بوزيد، بسبب عدم جاهزية الوزارة لإعداد المناهج التي كانت ستكون باللغة الإنجليزية حسب رواية حميد أولغن، في حين كان المبرر الفعلي حسب أكاديمي جزائري شارك في إعداد الملف “تقارير أمنية تلقاها الوزير عن مناهج خاصة تعتمدها الجماعة الصوفية لنشر أفكارها وسط الطلبة”.

لم يمنع ذلك تنظيم الخدمة في الجزائر، من اللجوء إلى جزائريين كواجهة لتأسيس مدرستين تتبعان تنظيم الخدمة وهما مدرسة “المنبع” بحي قاوش بالشراقة غرب العاصمة الجزائرية، وهو ما وثقه معد التحقيق، عبر رابط يتمثل في كون مديرة المدرسة هي السيدة فضيلة زوجة أحد مساعدي أولغن الأتراك ويدعي سركان، وهو مسؤول مطبوعة حراء في الجزائر، بالإضافة إلى مدرسة الأفق الجديد بدالي ابراهيم، التي استلمت الاعتماد يوم 7 يوليو/تموز 2015 ويسيرها جزائري، غير أن حميد أولغن أقر لـ”معد التحقيق”، بأن “دوره تمثل فقط في المساعدة في تجهيز المدرستين وتقديم استشارات”.

وتجاور مدرسة أفق، دار إقامة مخصصة للطالبات التركيات اللاتي تنتمين لتنظيم الخدمة حسب استطلاع ميداني قام به معد التحقيق، إذ تم استقدامهمن للجزائر لإكمال دراستهن في الجامعات ويتكفل رجال أعمال أتراك بمصاريفهن في حين يعهد لهن بالمساعدة في نشاطات الجماعة وسط المجتمع الجزائري.

الإعلام سلاح جماعة الخدمة

يؤكد مسؤول من قناة الوطن الجزائرية (تم إغلاقها في أكتوبر/تشرين الاول 2015 ) أن أتباع غولن زاروا في بداية العام 2015، مقر القناة محاولين استمالة القائمين عليها بعرض طرق للشراكة غير أنهم اصطدموا برفض مطلق من مالكها رجل الأعمال، جعفر شلي، الذي ينتمي لحركة مجتمع السلم (إخوان الجزائر) القريبة من الحزب الحاكم في تركيا، وكان هدفهم حسب نفس المصدر إيجاد قناة فضائية يتخذونها مجالا للاستثمار عبر شركة ميدياتيك وكذلك القيام بشراكات مع شركات الإنتاج الضخمة التي تملكها حركة الخدمة في تركيا.

قبل ذلك دأب حركة الخدمة، على تنظيم رحلات لصحافيين جزائريين من خلال ميدياتيك إلى مدارس النور التابعة لغولن، في عدة دول من العالم مع التكفل التام بمصاريف التنقل وإقامتهم بالإضافة إلى تنظيم جولات في المؤسسات الإعلامية التابعة لحركة الخدمة غير أن وتيرة تلك الزيارات ارتفعت مع نشوب الخلاف بين طرفي الصراع في تركيا (غولن-أردوغان)، نهاية العام 2013، إذ نُظمت رحلتين إلى اسطنبول وألمانيا في شهري مايو ويوليو على التوالي من العام 2014، وعاد الصحفيون ونشروا تقارير عن مدارس النور وإنجازات فتح الله غولن ولعل أكثر ما كتب دلالة، تقرير صدر في جريدة الخبر الجزائرية إختار كاتبه محمد درقي عنوان ” تلاميذ مدارس كولن شوكة في حلق أردوغان”.

ويدافع الإعلامي الجزائري عبد اللطيف بلقايم عن رجل الدين التركي فتح الله غولن، المتهم بتدبير الانقلاب في مقال له بعنوان “أردوغان رئيس للاغتيال”، ويصر بلقايم في حديث لـ”العربي الجديد”، أن فكر رجل الدين التركي منتشر في جميع أنحاء العالم، ولا يحتاج بالضرورة إلى مؤسسات قائمة تروج له، بينما يظهر عداؤه الواضح للنظام التركي، بقوله: “إن الانقلابات ضد الديمقراطيات الشعبية جريمة، لكنها في بعض الأحيان تكون إنقاذا وتصحيحا وانبجاسا للنور في قلب الظلمات”.

وبالعودة إلى أرشيف مجلة حراء نجد أنها تضم أقلاما جزائرية من الدعاة غير المحسوبين على أي تيار ديني في الجزائر، على رأسهم رئيس جمعية العلماء المسلمين، عبد الرزاق قسوم، بالإضافة إلى الدكتور سليمان عشراتي وكتاب معروفين من أجل جلب انتباه القارئ الجزائري وتوزع المجلة التي يتم استيراد نسخها من دار النيل في مصر، على مئات الجزائريين باشتراك سنوي يقدر بـ 10 دولارات، حسب تصريح موثق لأحد مساعدي أولغن قدمه لـ”العربي الجديد” داخل مقر ميدياتيك.

الاستثمار في خصوصيات المجتمع الجزائري

يؤكد الباحث في علم الاجتماع بومدين معاش، أن حركة الخدمة تتمدد على مستوى الأطراف (خارج تركيا) من أجل تقوية نفوذها في بلد المنشأ وفي هذا المسار فإنها واعية لخصوصيات المجتمع الجزائري، ويرى أن منهجها يعتمد على تفادي التعامل مع أطراف سياسية خارج تركيا، بالمقابل فإن الجماعة تركز أنشطتها على فئات مجتمعية لها خصوصياتها من خلال رموز ووجهاء.

في هذا السياق، ربط أتباع غولن في الجزائر، علاقات قوية مع نافذين ينتمون لقبائل بني ميزاب، من أجل التغلغل وسط هذه الشريحة من المجتمع الجزائري، وهو ما يبدو في العلاقة القوية بين جماعة غولن والدكتور محمد بابا عمي، أحد رموز ووجهاء بني ميزاب وصاحب كتابي، “البرادايم كولن، فتح الله كولن ومشروع الخدمة على ضوء نموذج الرشد”، و”أرباب المستوى، أكاديميا باعتبارها جماعة علمية”، والذي تم تكريمه من قبل قيادات الجماعة، في قاعة ابن زيدون وسط العاصمة الجزائر، في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2012.

ويعتبر معهد المناهج الواقع في برج البحري، شرقي العاصمة الجزائرية الذي يديره بابا عمي ذراعاً تعليمية لجماعة الخدمة، إذ يتم الترويج لكتب غولن وإرسال طلبة جزائريين من أجل الدراسة في مؤسسات تعليمية تتبع منظمة الخدمة بتركيا، ولم يفصح القائمون على المعهد الذي زاره معد التحقيق، عن عدد الطلبة الذين درسوا في تركيا عن طريق المعهد، مؤكدين أن “الأمور تعطلت منذ عام 2014 وهي الفترة التي شرعت فيها الحكومة التركية في محاربة البنية التعليمية للجماعة في داخل تركيا”.