جاءت جريمة اغتيال عملاء الاستخبارات الاسرائلية “الموساد” لمهندس الطيران التونسي محمد الزواري قرب منزله بمدينة صفاقص التونسية في مؤخرا، لتفتح من جديد ملف التواجد الاستخباراتي الصهيوني بحزام الجزائر الجغرافي والأمني المتعاظم في سنواته الأخيرة ، منتهزا فرصة الهشاشة الامنية التي مست أغلبية دول الجوار ، والانشغال بتداعيات ما سمي بـ “الربيع العربي” والنشاط الإرهابي والإجرامي ـ الحقيقي منه والمصطنع ـ بمنطقة المغرب العربي والساحل الافريقي.

ولم يكن اغتيال الزواري بالأول من نوعه على الساحة التونسية، فباعتبار البلد مفتوح على ملايين السياح من مختلف دول العالم جعله مسرح دائم للنشاط التخريبي لجهاز المخابرات الصهيونية الخارجية “الموساد” ، فمن منا ينسى الاغتيال الجبان الذي تعرض له الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية الشهيد خليل الوزير “ابو جهاد” في منزله بالعاصمة التونسية عام 1988، ثم الاغتيال الغامض لثلاثة من كوادر النضال الفلسطيني (أبو إياد ، وأبو الهول، وأبو محمد) في العاصمة تونس أيضا عام 1991، وغيرهما ، وقد زادت تداعيات ثورة التوانسة على نظام بن علي، والتي لم يستقر النظام السياسي جراها الى حد الآن من عشعشة العصابات الاستخباراتية الصهيونية، وغير الصهيونية في هذا البلد المجاور للجزائر، والذي يعد حزام امني لها، وحديقة خلفية تصيب رذاذ عطسها الأمن والاستقرار في العمق الجزائري، مما يستلزم أيضا مضاعفة الاحتياطات الأمنية ، والوقائية لمجابهة الأخطار المترتبة عن ذلك.

كما أن اختيار الجزائريين للجارة الشقيقة تونس مكانا مفضلا لقضاء العطل ولسياحتهم الترفيهية، يجعل منهم صيدا لقناصة “الموساد” ، عبر طرق الإسقاط المعروفة ينتهجها عملاء ذلك الجهاز منذ تأسيسه ، وأولها “الجنس” حيث يلجأ لإغراء أهدافه بعميلات “خبيرات” في هذا الإطار قبل تصويرهم ، ثم تهديده بالفضح إن رفضوا التعاون، كما أن عروض الشراكة المالية، وتوفير التوكيلات التجارية، والدورات التكوينية المجانية الخاصة، وسيلة أخرى يعتمدها الموساد” لاصطياد ضحاياه ، كما بينت الكثير من التجارب، والعينة القريبة نراها عيانا في قضية توريط بعض الشباب التونسي مؤخرا في عملية اغتيال المهندس محمد الزواري. والخطر نفسه يأتي من الحدود الليبية التي غدت في الفترة الاخيرة أرض خصبة لنشاط عشرات أجهزة الاستخبارات الدولية ، والتي تسعى لحماية مصالحها في هذا البلد ومحيطه ، وأيضا منطلق لتخريب الأمن والاستقرار والتنمية لدول المنطقة عبر زرع فيروس المجموعات الإرهابية ، كما كان الحال مع عملية “تقنتورين” الإرهابية بعين اميناس في 2013.

وتؤكد مصادر مطلعة جيدا على الملف أن مناطق”غدامس” و”غات” و”اوباري” القريبة من الحدود مع الجزائر تعج هذه الايام برجال الاستخبارات الدولية وعلى رأسها “الموساد” الإسرائيلي ، تحت أغطية منظمات دولية إنسانية ، ومؤسسات تجارية، وبعثات اعلامية…. والآمر نفسه تعرفه الأراضي النيجيرية والمالية، عبر نفس اللافتات، وان كانت النيجر اكثر استهدافا في الفترة الأخيرة ، حيث يتزايد نشاط الضباط الصهاينة المتقاعدين بشكل لافت تحت غطاء شركات إنشاءات ومقاولات من الباطن، بسجلات مسجلة بدول أوربية وفرنسية بالتحديد ، ولم تكن حكومة “يوسوفو” رئيس الدولة الفقيرة الموارد ـ باستثناء اليورانيوم ـ لتغلق الأبواب في وجه تلك الشركات وان عرفت بغاياتها ونشاطاتها الموازية. كما ترتع المؤسسات وجمعيات الإغاثة المشبوهة في طول البلاد وعرضها ، تحت أعين السلطات المالية والنيجيرية، المكبلة بالعوز، وضيق ذات اليد، وبالرشاوي والعطايا وأخواتهما. أما الجارة الغربية للجزائر فحضور الاستخبارات الصهيونية في المملكة العلوية ليس بالجديد، ولا بالمستقبح “مخزنيا”، حيث التعاون الأمني والاستخباراتي بين إسرائيل والمغرب يمتد الى 1948 تاريخ تأسيس هذا الكيان الاستعماري بفلسطين، وقد عرف العديد من محطات التعاون ، سواء ضد المغاربة أنفسهم كما هو الحال في قضية اغتيال المعارض المهدي بن بركة أكتوبر 1965، أو ضد الجزائر كما كان الحال في حرب الحدود في 1963، أو حتى عربيا كما وقع في حادثة تمكين الملك الحسن الثاني للموساد من زرع أجهزة تنصت على الجلسات الرسمية للقمة العربية في الرباط في سبتمبر 1965 ، كما تجد المراكز المرتبطة بالاستعلام الاستخباراتي والأمني الصهيوني ، مثل الاستخبارات العسكريّة في الجيش الإسرائيليّ (أمان) ، ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، بالإضافة إلى “الموساد” في التراب المغربي ارض خصبة لإقامة قواعد لنشاطاتها، عبر استغلال عنصر الاقلية اليهودية النافذة في المغرب، وعبر مزدوجي الجنسية (مغاربةــ اسرائليين) ، الذين يمتلكون ميزة حرية التنقل والإقامة في الدولتين. وسط كل ذلك وغيره مما لا يتسع المقام للتفصيل فيه تجد الجزائر نفسها في حرب لا محيص عنها ضد هذه الأخطار الاستخباراتية والتخريبية، لحماية أمنها القومي، بل ووجودها، وقد توافرت مؤخرا للأجهزة الأمنية ، دلائل عن الخيوط الصهيونية في قضية جماعات “الاحمدية” أو كما تسمى أيضا بـ”القاديانية” ، التي يوجد مقرها الإداري الظاهر في ببريطانيا، ومقرها المتحكم الفعلي في حيفا بشمال فلسطين المحتلة، والذي يحظى برعاية وإشراف موثق من الأجهزة الاستخبراتية الصهيونية.

وتوضحت أيضا الأصابع التخريبية الصهيونية في رعاية وإسناد مجموعات فرحات مهني الانفصالية، حيث غدا الأخير بشكل متزايد يعتمد على مؤسسات ومراكز مقربة من تلك الأجهزة الاستخباراتية ، والميديا الدولية التي تتحكم فيها، كوسيلة للدعاية والترويج لبضاعته الكاسدة في الداخل الجزائري ، ومحاولة جعلها قضية “شعب مضطهد يتطلع للحماية الدولية والأممية”. وفي الأخير علينا نستحضر دائما حقيقة ان اسرائيل تظل العدو الرئيسي لنا، ولن تخفر لنا بأي حال النجاح في أي تجربة تنموية ، أو النجاح في تحقيق الاستقلالية الأمنية ، وكل المحاولات لتغيير هذه الحقيقة، والتطبيع معها، والتقرب إليها، ستفتح البلاد لأخطار لا أخر لها، وتجربتنا القديمة معهم أكبر برهان.