طرحنا في مقالات سابقة ضرورة التأسيس لخطاب ديني جديد، وركزنا على الإنسان كمحور لحياتنا، لكن السؤال المطروح اليوم هو كيف نحول الإنسان المسلم فعال مثل الأوروبي؟، فلو بحثنا جيدا في أسباب التقدم الأوروبي، ولما للإنسان مكانة كبيرة لديهم، ويتعلقون بالدفاع عن مصالحه، فنجد أن للإصلاحات الدينية للوثر وكالفن تأثير كبير في إتجاهه نحو العمل الجاد، مما جعل عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر يربط بين البروتستنانتية وظهور المؤسسات الإنتاجية الرأسمالية، فقد نشر المصلح الديني البروتستانتي كالفن فكرة فريدة من نوعها في مجتمع متأثر جدا بالديانة المسيحية في القرن 16م، وتقول فكرة كالفن أن العمل الناجح هو الدليل على رضى الله على الإنسان الذي قام به، مما جعل كل فرد يسعى إلى إتقان العمل، ليحقق نجاحا كدليل على رضى الله عليه، لكن خفي على الكثير أن فلاسفة التنوير الأوروبيين كانوا يستعينون بقراءة جديدة للكتاب المقدس، فمثلا الألماني هيغل يقول في كتابة حول المسيح، بأن يسوع كان إلها، ثم تحول إلى إنسان، مما يتطلب  إحترام الإنسان، لأنه كان إلها في أصله، كما يجب أن يكتسب هذا الإنسان قوة هذا الإله، وقد ردد المفكر الإيراني علي شريعتي نفس الفكرة تقريبا، وهو المتأثر بالفكر الأوروبي والمختص في علم الإجتماع الديني، ويقول شريعتي أن الإنسان يجب أن يضع نصب عينيه صفات الله في أسمائه 99، ويعمل للإرتقاء وإكتساب تلك الصفات، لكن مادام المسلمون لا يقرأون، ولا ينفذون الأمر الإلهي الأول الذي هو “إقرأ”،  فإنهم لايمكن أن يتأثروا بما يكتبه مثقفوهم التنويريون على عكس الأوروبيين.

لكن ماهي الفكرة التي يجب أن نأخذها نحن المسلمون من القرآن الكريم، والتي تشبه فكرة هيغل حول المسيح، وتتماشى مع معتقداتنا التي لا تؤله سيدنا عيسى عليه السلام مثل المسيحيين، ثم نقوم بإنزال تلك الفكرة أو التصور الفلسفي إلى الأرض، لتتحول إلى حركة بعد ما يغرسها خطاب ديني جديد متعاون مع المثقفين التنويريين في المجتمع بصفتهم ورثة الأنبياء الحقيقيين كما كتبنا في إحدى مقالاتنا )حركة التاريخ بين سدنة المعبد وورثة الأنبياء الحوار المتمدن عدد4686 يوم09/01/2015(، أن الفكرة الأكثر تأثيرا هي الفكرة المستوحاة من قصة خلق سيدنا آدم الذي سجدت له الملائكة بعد ما خلق الله الكون كله من أجله، ولهذا فكل إنسان هو مثل آدم، وكل من لا يحترم حق الإنسان وكرامته فهو مثل الشيطان، ومن يقدسه ويحترمه فهو شبيه بالملائكة.

فمن قصة آدم أخذنا فكرة تكريم الإنسان، كما نأخذ منها أيضا فكرة تحويل المسلم إلى إنسان فعال وعامل ومكد ومجتهد ومتقن لعمله، فهذه الفكرة هي فكرة أن الإنسان خلقه الله كخليفة له على لمواصلة عملية البناء والتعمير، فبعد ما خلق الله لهذا الإنسان كل الأشياء التي يستحيل على الإنسان إنشائها بسبب محدودية إمكانياته، وبعد ما خلق الله الإنسان، كلفه  بمهمة تعمير الأرض كمواصلة منه لما قام به الله قبل خلقه، وقد أعطى له  كل الإمكانيات للقيام بهذه المهمة، وكل من لا يقوم بذلك فهو ضد إرادة الله، فلو غرسنا هذه الفكرة في ذهن المسلم لتحول إلى إنسان فعال في الحياة يعمل ويكد مثل الإنسان الغربي الذي هو الذي يقوم بمهمة خلافة الله في الأرض اليوم، وليس المسلم الذي يعتقد أنه يكفيه قيامه بأركان الإسلام لدخول الجنة، ولايعلم أن هذه العبادات مجرد بنزين أو اداة لتجديد طاقتة الروحية وتذكير له بمهمة خلافة الله أو تعمير الأرض التي خلق من أجلها، لكن للأسف المسلم اليوم لا يقوم بهذه المهمة التي كلفه الله بها حسب مفهوم وتأويل تنويري للقرآن الكريم الذي يجب عليه أن يواجه التأويل المتخلف الذي أنتجه المستبدون والإستغلاليون الذين سرقوا الإسلام وحرفوه من أجل خدمة مصالحهم، فالقرآن الكريم يأمرنا بالتعلم والقراءة العميقة الذي هو الشرط  الأساسي لتنفيذ هذه المهمة التي كلفنا بها، ويستحيل علينا القيام بها دونها، فقد كان “إقرأ” اول أمر قرآني لنا قبل كل العبادات الأخرى، وهو ما يعني أن من لايقرأ بعمق في الكون والطبيعة معناه لم ينفذ أول أمر إلهي له.

ويبدو حتى الفكرة الأخيرة وهي التعلم قد أخذت بها أوروبا بعد ما حرر ديكارت العلوم من السكولاستيكية التي كانت تعيش فيها  من قبل مثل المسلمين اليوم الذين سجنوا أنفسهم في نقاشات دينية عقيمة معتقدين أن العلوم الدينية هي العلوم الرئيسية لدرجة أن أبسط رجل دين يسمى ب”عالم”، ويحظى بالتقديس على عكس العالم الحقيقي المختص في الطبيعة والحياة وغيرها الذي لا يلقى أي تقدير في مجتمعاتنا للأسف الشديد، لكن ديكارت أخرج الأوروبيين ليس فقط من النقاشات الدينية والميتافيزقية، بل دعا إلى تحويل العلوم والبحوث النظرية إلى أداة للسيطرة على الطبيعة والكون، مما جعلهم يتأملون في الطبيعة والكون وإستخراج قوانينها بدل النقاشات الفلسفية الميتافيزيقية، ولم يكتف بذلك، بل دعا إلى  الإستلهام من قوانين الطبيعة  وتطبيقها على أرض الواقع  لتحسين حياة الإنسان، فظهرت بناء على تلك النظريات العلمية ما يسمى اليوم التكنولوجيا التي طورت حياة الإنسان، فكان الإنسان الغربي هو خادم الإنسان في كل المجالات، فيستحق بذلك لقب خليفة الله في الأرض، أما نحن المسلمين علينا أن نطرح اليوم سؤالا آخر هو: هل قمنا بمهمة خلافة الله في الأرض؟ وهل نقدم اليوم خدمات للإنسان أم نحن عالة على الآخرين الذين ينتجون ويبدعون؟ .

 

البروفسور رابح لونيسي

    – جامعة وهران-