يحتفل العالم كل يوم 10ديسمبر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الموافق ل10ديسمبر1948، وقد ركز هذا الإعلان الصادر في عام 1948 على الحقوق السياسية دون الإجتماعية، ويشبه كثيرا ميثاق حقوق الإنسان والحريات الذي أعلنته الثورة الفرنسية في1792، لكن رغم ذلك لم يتخلص بعض الغربيين من “المركزية الغربية” التي فضحها عدة مفكرين، ومنهم غارودي في جل كتاباته، تعد هذه المركزية أحد أسباب عدم إحترام الغرب حقوق الشعوب الأخرى، فقد عانت الإنسانية من المظالم الإستعمارية الأوروبية بسبب الرغبة في السيطرة والإستغلال، ومن هؤلاء الضحايا نجد  شعبنا الذي تعرض لحرب إبادة من فرنسا التي ترفض الإعتراف بجرائمها، كما صاغت شخصيات مسلمة، ومنهم الرئيس بن بلة”الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان” في1981، ونضع ذلك ضمن ظاهرة الإستخدام المفرط للعناوين الإسلامية، وكان مفكرنا بن نبي الضليع في الحروب الفكرية يرفض ذلك، لأنه يرى في شخصنة الإسلام في هيئات وتنظيمات وغيرها سلاحا إستعماريا لتسهيل ضربه وتشويهه، وهو مانراه اليوم بجلاء، لكن هل ضمنت فعلا هذه الإعلانات كلها كرامة وحقوق الإنسان؟.

أعطى الغرب أساسا فلسفيا لحقوق الإنسان إنطلاقا من إعتبارها حقوقا طبيعية له، وهو ما يشبه مقولة سيدنا عمر بن الخطاب”متى أستعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، لكن هل أثر ذلك في تكريس هذه الحقوق؟، نعتقد أنه لتكريسها فعلا يجب الإنطلاق من تصورات قرآنية موجودة في كل الأديان السماوية التي أختطفها سياسويون، ويستغلونها بتأويلاتهم في حروب وجرائم تستهدف التسلط والإستغلال، فخلقوا عداء وكراهية بين أتباع هذه الديانات رغم إشتراكها في قيم وتصورات كثيرة.

يجب على المثقفين المستنيرين سواء كانوا دينيين أو غير ذلك الذين همهم تقدم مجتمعاتنا أن يخوضوا حربا فكرية تستهدف تجديد الخطاب الديني وتحطيم الذهنية والفكر المتجمد والمنغلق ومواصلة الإصلاحات الدينية التي بدأها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم، والقيام بتنقية هذا الخطاب من كل الركام الذي ألصق به منذ دخول الحضارة الإسلامية في عصور الإنحطاط، والتي  يسميها بن نبي ب”الأفكار القاتلة”،ويجب العمل لتحرير عقل المسلم من سيطرة مايسميهم المفكر الإيراني هويدا ب”الصراطيين”، ويسميهم أركون ب”الدوغمائيين”، والذين عطلوا حركية الإسلام منذ القرن12م، كما يجب عليهم أن يوجهوا الخطاب الديني ليتحول إلى خطاب يهتم أكثر بخدمة الإنسان مهما كان دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه وغيرها، ويتحول إلى محور الحياة كلها.

نعتقد أنه يكفينا أن نرسخ تربويا في ذهن الطفل مجموعة تصورات قرآنية تجعله يبجل كل إنسان مهما كان لونه أودينه أولغته وغيرها، ومن هذه التصورات: إن الله تعالى خلق كل ما في الكون من أجل الإنسان بالمطلق [أقرأ البقرة 29-30]، وأن خلافة الإنسان الله معناه مواصلة تعمير الأرض لخدمة الإنسان على نفس طريقة خلق الله كل شيء لهذا الإنسان، فبذلك ستكون خدمته محورا لكل نشاطاتنا، وأنه مقدس بسجود الملائكة له، كما تسجد لله، وأن إحتقار أي إنسان أو ممارسة العنصرية ضده هي صفة  إبليسية، فلم يطرد الله أبليس من رحمته لأنه عصاه، بل لتكبره على الإنسان بقوله له بأنه خلقه من نار وخلقته-أي الإنسان- من طين، فالعصيان يمكن التوبة منه، كما وقع لسيدنا آدم ]أقرأ سورة ص 75-76[، وأن الله مصدر كرامة الإنسان [أقرأ الإسراء 70[.

فترسيخ هذه التصورات في الطفل كفيلة  لدفعه في المستقبل إلى إحترام أي إنسان كان، ويجعل خدمته محورا لنشاطاته، مادام أن الله تعالى أكرمه، وخلق كل شيء لأجله، وهذا ماأسماه أركون ب”الأنسنة في الإسلام”.

أننا لا ننطلق من فراغ، بل من تجارب أتت ثمارها، فلنجرب لنرى، فقد آن الأوان لنوظف التصورات الفلسفية القرآنية في خطاب ديني جديد، نصنع به إنسانا فعالا كما كان يحلم بن نبي في مشروعه على عكس بعض المتاجرين بإسمه اليوم الذين كثيرا مايزرعون الكراهية والعنصرية المنافية للروح الحقيقية لديننا الحنيف.

 

البروفسور رابح لونيسي  – جامعة وهران-